مقالات صحفية


الجنوب يمحي ولا يمحى

الأربعاء - 10 سبتمبر 2025 - الساعة 08:50 ص

رائد عفيف
الكاتب: رائد عفيف - ارشيف الكاتب


الجنوب ليس مجرد أرض، إنه ذاكرة، ووجع، وحلم طويل لا يزال يُكتب. والشمال ليس مجرد جهة، إنه تاريخ، وناس، وقلوب تنبض بالأمل. نحن أبناء وطنين، نعم... لكننا لسنا أعداء.

ما يجب أن يعرفه إخوتنا في الشمال، أن الجنوب لم يكن يومًا ظلًا للشمال، ولا الشمال امتدادًا للجنوب. حتى في زمن النبوة، حين أرسل رسول الله ﷺ رسله لنشر الإسلام، بعث معاذ بن جبل إلى شمال اليمن، وأبا موسى الأشعري إلى حضرموت الجنوب، وكلف كل واحدٍ منهما بمخلافٍ من مخلافي اليمن، أي إقليم إداري مستقل. وهذا ليس تفصيلًا عابرًا، بل شاهدٌ على أن الأرضين كانتا مستقلتين في الهوية، متمايزتين في الواقع، متجاورتين في القدر.

يُروّجون أن الجنوب والشمال كانا بلدًا واحدًا فرقته الحدود، وأن الاستعمار هو من زرع بينهما الحواجز. لكن التاريخ يقول غير ذلك، بوضوح لا يقبل التأويل. فالطمع في الجنوب لم يكن وليد اللحظة، بل ممتدًا عبر قرون. منذ أن احتل العثمانيون الشمال، وهم يحاولون مرارًا ضم الجنوب إلى سلطتهم، لكنهم كانوا يُواجهون بدفاعٍ شرس من أبنائه. احتلوا أجزاء من الجنوب، لكن الجنوبيين أخرجوهم من أرضهم، ولم يسمحوا باستمرار حكمهم. وبعد انسحابهم، سلّم العثمانيون الحكم للإمام، وكأنهم يُعيدون المحاولة من جديد، لكن الجنوب ظل صامدًا، رافضًا أن يُحتل أو يُدار من خارج إرادته.

حتى قبل دخول بريطانيا أرض الجنوب، كانت هناك محاولات متكررة من الشمال لفرض السيطرة، لكن الجنوبيين دافعوا عن أرضهم، ورفضوا تلك الأطماع، وأثبتوا أن الجنوب لم يكن يومًا تابعًا، بل وطنًا له قراره، وله رجاله، وله تاريخه المستقل.

دخلنا مشروع الوحدة في عام 1990 بشراكةٍ نُسجت على أمل العدالة والمساواة، لكن ما حدث بعد ذلك كان خيانة لكل اتفاق، وغدرًا بكل قيادة جنوبية مدت يدها بصدق. لم نحصد من تلك الوحدة سوى التهميش، ونهب الثروات، وكسر الكرامة. شُنّت علينا حرب، وكُفّرنا، وأُقصينا من كل مفاصل الدولة، وكأن الجنوب لا يستحق أن يكون شريكًا، بل تابعًا.

ولذلك، نحن لا نطالب بالانفصال كما يُروّج البعض، بل نطالب باستعادة دولتنا التي دخلت في شراكة وغُدرت. نطالب بحقنا في أن نكون كما كنا: شعبًا له قراره، له كرامته، له سيادته. نطالب بالعدالة، لا بالعداء. نطالب بالاعتراف، لا بالاستعلاء.

ومع ذلك، ما زال البعض يُردد عبارة "الوحدة أو الموت" وكأنها سيفٌ يُشهر في وجه الجنوب. وكأن أبناء الجنوب لا يملكون حق الدفاع عن أرضهم، ولا صوتًا يُسمع، ولا خيارًا يُحترم. هذه العبارة التي يُفترض أن تُعبّر عن وحدة القلوب، تحوّلت إلى تهديدٍ يُستفز به شعبٌ بأكمله.

والأدهى من ذلك، أن حربين أُقيمتا على الجنوب، لا من أجل وحدةٍ صادقة، بل من أجل احتلاله ونهب ثرواته. وإلى اليوم، ما زالت الحرب قائمة بكل أشكالها: عسكرية واقتصادية، إعلامية ونفسية، تُشن على الجنوب بلا توقف. في وسائل الإعلام، وفي منصات التواصل، تنهال الشتائم على أبنائه، وتُخاض أعراضهم، ويُسخر من طموحاتهم كلما حاولوا بناء مستقبلهم. وكأن النجاح الجنوبي يُزعج من اعتادوا على الإقصاء، وكأن الكرامة الجنوبية تُهدد من لا يؤمن بالعدالة.

الوحدة لا تُفرض بالقوة، ولا تُبنى على أنقاض الكرامة. والشراكة لا تُولد من فوهة بندقية، بل من احترام متبادل، وعدالة حقيقية، واعتراف بحق الآخر في أن يكون كما يريد، لا كما يُراد له أن يُروى.

نحن لا نطلب المستحيل، بل نطلب ما هو حقٌ لنا: أن نُستعاد كما كنا، وأن نُحترم كما نحن، وأن يُكتب تاريخنا كما عِشناه، لا كما يُراد له أن يُروى.

من يحب وطنه بحق... لا يُنكر على الآخرين حقهم في وطنهم.
ومن يحفظ لسانه... يحفظ كرامته، ويُمهّد الطريق للسلام الحقيقي، لا السلام المزيّف.




الأكثر زيارة


ليست خطيئة بل شجاعة الحق: لماذا يرتعد الاشتراكيون والعملاء م.

الجمعة/08/مايو/2026 - 12:10 ص

يرى البصير في تقلبات السياسة وتصاريف الدول أن الأسماء ليست مجرد القاب تطلق في الهواء او أصوات ترسل لتملأ الفضاء بل هي حقائق الوجود وجواهر الكيان وعناو


من فكرة منزلية إلى معمل حديث في عدن.. “عشار الندى” قصة كفاح .

الخميس/07/مايو/2026 - 11:32 م

في ظل واقع اقتصادي مليء بالتحديات تبرز في العاصمة عدن نماذج إنتاجية محلية تسعى إلى تحويل الإمكانات المحدودة إلى قصص نجاح حقيقية عبر مبادرات تقوم على ا


إحراق حظيرة أغنام في الضالع يشعل غضبًا واسعًا ويخلف خسائر فا.

الجمعة/08/مايو/2026 - 12:44 م

أثارت حادثة إحراق حظيرة أغنام في منطقة عنفد بمديرية الشعيب بمحافظة الضالع، حالة من الغضب والاستنكار الواسع في أوساط الأهالي، عقب نفوق قطيع كامل احتراق


رئيس انتقالي أبين يعزي في وفاة الناشط الحقوقي فيصل السعيدي.

الجمعة/08/مايو/2026 - 01:44 ص

بعث رئيس الهيئة التنفيذية للقيادة المحلية للمجلس الانتقالي الجنوبي بمحافظة أبين، الأستاذ سمير الحييد، برقية عزاء ومواساة بوفاة الهامةالحقوقية والتربوي