مقالات صحفية


لماذا يُستهدف مثلث القوة بعزل أطرافه عن مركز القرار؟

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 02:39 ص

د.  أمين العلياني
الكاتب: د. أمين العلياني - ارشيف الكاتب



في خضم المشهد الجنوبي المليء بالتحولات الكبرى، تبرز مؤشرات خطيرة على وجود مخطط استهدافي ممنهج، لا يستهدف الأفراد بقدر ما يستهدف الجغرافيا والمكوّنات الاجتماعية المتماسكة. إنه استهداف مثلث القوة في لحج الذي يصنف بالضالع وردفان ويافع والحواشب، بتمديدات نحو محاولة تحييد أجزاء منه في الصبيحة وعزل أبين بالتصور نفسه. وهو استهداف لا يحمل بُعدًا عسكريًا أمنيًا فحسب، بل يتعداه إلى تفكيك النسيج الاجتماعي وشراء الذمم، تحت إشراف توجهات استخباراتية شمالية وتنفيذات سعودية، تهدف إلى خلق حالة من الاضطراب الداخلي وإضعاف الحواضن الشعبية والعسكرية والأمنية للمشروع الوطني الجنوبي المطالب باستعادة دولته المستقلة.

وتبدأ هندسة التفكيك باستهداف محددات القوة المتمثلة في الجانبين العسكري والأمني، لكي يصبح المشروع الوطني الجنوبي هدفًا للإضعاف، سهلًا للاحتواء. والملاحظ في الفترة الأخيرة تركيزٌ واضحٌ على تفكيك القوات العسكرية والأمنية المنتمية إلى مناطق ردفان ويافع والضالع والحواشب، مع حالة من التحييد المؤقت لبعض القوات الموجودة في مناطق محددة بالصبيحة وعزل محافظة أبين، لا حبًّا بتلك القوات، بل كرهًا في تماسكها مع القوات الأخرى، على أن يأتي دور تفكيكها لاحقًا. إن عملية إحلال قوات محل قوات، ومحاولة خلق ولاءات ضيقة لمناطق على حساب مناطق أخرى، ليست مجرد سوء إدارة، بل هي خطة مدروسة لإحداث شرخ عمودي في الصف الجنوبي الواحد؛ ليبدو الهدف ليس حبًّا في منطقة وكرهًا لأخرى، بل هو خلق حالة من الارتباك وعدم الثقة بين أبناء المؤسسة العسكرية والأمنية الواحدة وانتماءها الوطني للجنوب ومشروعه السياسي المؤمن باستعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.

هذا التوجه يستهدف بالأساس القوات التي شكلت دائمًا ركيزة الصمود في وجه المشاريع التي تنتقص من المشروع الوطني الجنوبي التحرري؛ فالقوات الموجودة في الضالع وردفان ويافع والحواشب والصبيحة وأبين، التي سطرت بطولات في الدفاع عن الجنوب، تُحْتَوَى اليوم أو تُحَيَّد أو تُفكَّك عبر سياسة "فرِّق تَسُد" البغيضة، التي تهدف إلى شل قدرتها حتى لا تكون عامل ضغط في المعادلة السياسية.

لم يعد الأمر مقتصرًا على البنية العسكرية والأمنية فقط، بل امتد ليضرب العمق الاجتماعي؛ فهناك محاولات حثيثة لشراء الذمم عبر خلق نخب جديدة موالية، سواء أكانت من الوجهات الاجتماعية التقليدية أم من الفواعل الاقتصادية ورأس المال، ليُمنح هؤلاء وعودٌ بمساحات نفوذ وتأثير، مقابل تفكيك الحواضن الاجتماعية المتماسكة لتلك المناطق.

والهدف بالمجمل واضح: تحويل هذه المناطق ذات الثقل الاجتماعي والعسكري والأمني إلى جزر معزولة عن التأثير السياسي والاقتصادي والوطني، وتكون أدواته عبر إثارة النزاعات البينية داخل كل منطقة على حدة، فينشغل أبناؤها بمشاكلهم الداخلية، ويُبعدون عن دورهم الفاعل في المشهد العام المؤثر في الحضور بالعاصمة عدن من جهة، وتحاول توجيه تفكيرهم بعيدًا عن مؤازرة محافظات الجنوب الشرقية من جهة أخرى المستهدفة أيضًا بمشروع يخطط له تحت نار هادئة. إنها محاولة لضرب مركز الثقل السياسي والاقتصادي في عدن عبر عزل أطرافه الطبيعية في الضالع وردفان ويافع وأجزاء من الصبيحة وعزل محافظة أبين عن هذا المثلث، بحيث تبقى العاصمة بلا حواضنها الدفاعية، وتبقى تلك المناطق في تلك المحافظات مشغولة بصراعات البقاء على الراتب، على حساب دورها الوطني.

ما يحدث اليوم هو تطبيق عملي لنظريات اجتماعية سياسية معروفة، تتحدث عن كيفية عزل الأطراف الاجتماعية عن المركز السياسي. وهذا المخطط الذي يبدو أن رشاد العليمي يتبناه، والمطروح على طاولة التحالف السعودي للإشراف على تنفيذه، يهدف إلى خلق حالة من التوهان الشعبي، لإضعاف تأثير تلك المحافظات وثقلها العسكري والأمني والاجتماعي. الفكرة تكمن في شغل الناس بقضايا ثانوية وصراعات مناطقية، وإضعاف ارتباطهم بالقضية المركزية المتمثلة في استعادة دولة الجنوب، كمشروع وطني تحرري ناضلوا من أجله وقدَّموا عليه ثمنًا كبيرًا من التضحيات الباهظة.

إن ربط الناس بالراتب فقط، وجعلهم في حالة صراع دائم على لقمة العيش، ينسف قدرتهم على الحضور الفاعل في المظاهرات المليونية التي تطالب بالتمسك بالمشروع السياسي الجنوبي التحرري، الذي ارتبط وطنيًّا بالرئيس عيدروس الزبيدي بصفته مفوضًا شعبيًّا في تمثيله. حتى أصبح الهدف ليس استبعاد الرئيس الزبيدي من المشهد السياسي الحالي فحسب، بل صار الهدف أكبر، متمثلًا في إضعاف الحوامل السياسية لقضية شعب الجنوب، وتحويل القوى العسكرية والأمنية والاجتماعية إلى قوى مستهلَكة في صراعات هامشية.

الخطة لا تتوقف عند المحافظات الغربية للجنوب، بل تهدف إلى رسم خط فاصل بين محافظات الجنوب شرقًا وغربًا. وتتضح الصورة من خلال محاولات واضحة لعزل محافظات الجنوب الشرقية (حضرموت، شبوة، المهرة وسقطرى) عن تأثير محافظات الجنوب الغربية (لحج وأبين والضالع وعدن)، لصالح مشروع يهدف إلى ابتلاعها في إطار مشاريع تهميشية أو تفويتية وإلا كيف تضرب قوات الجنوب في أرضها وهي أحق بحمايتها من الإرهاب والتهريب والعبث في ثرواتها واستبدالها بقوات الطوارئ اليمنية حتى باتت الخطة خدعة للذين كانوا مغرر بهم في التحشيد الإعلامي المبني على وعود الحكم الذاتي لمناطقهم بات مفرغًا من محتوى التصديق بعد أن خرجت قوات المنطقة الاولى وجاءت محلها قوات شمالية أسوأ منها. إن نجاح مخطط تفكيك قوة تماسك محافظات الجنوب الغربية، سيمهد لضرب التماسك الاجتماعي الجنوبي بين جميع المحافظات ويجعل محافظات الجنوب الشرقية غير قادرة على مواجهة التحديات التي تعاني منها مناطقهم ومحافظاتهم المحتلة من القوات الشمالية المغلفة بغطاء بلاستيكي سعودي جديد، يكون الأمر بالمجمل هو تسهيل عملية عزل الشرق عن مركز القرار في عدن.

والسؤال الأكثر إلحاحًا في الهاجس الجنوبي: من ينفذ ولمصلحة من؟

إن ما تشهده مناطق الضالع وردفان ويافع والصبيحة وأبين اليوم هو جزء من حرب خفية، أبطالها التوجهات الاستخباراتية الشمالية التي تمتهن تفكيك المجتمعات، والمنفذ هو التحالف السعودي الذي يدير الملفات العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية بقبضة تخدم هذا التوجه لصالح تسوية سياسية تخدم الحوثي أولًا وقوى الشمال المشردة ثانيًّا تحت يافطة الالتزام بمرجعيات مفقودة المشروعية لأنها مبنية على حساب نضالات وتضحيات الجنوب المحرر؛ ليكون الهدف هو إضعاف المشروع الوطني الجنوبي التحرري في معقله، وتحويل المكونات الاجتماعية الجنوبية المتماسكة إلى كيانات مشتتة، ليبقى النضال الجنوبي أسير الصراعات الداخلية، بعيدًا عن هدفه الأسمى في استعادة الدولة من هنا تبدو مؤشرات التسوية السياسية التي تنتقص من حق الجنوب المحرر في استعادة دولته لصالح الشمال المحتل بقبضة الحوثي رغم تصنيفاته الدولية بالمحددات الإرهابية ومعه القوى الشمالية المشردة في الخارج.

إن وعي أبناء أبين ولحج والضالع وعدن وحضرموت والمهرة وسقطرى، والمشهد الجنوبي عامة، بهذا المخطط هو بداية الطريق لإفشاله؛ فالمظاهرات المليونية التي تخرج في كل محافظات الجنوب أحدثت إعادقة في تسريع خطة التنفيذ لتفكيك الحواضن الاجتماعية المتماسكة لتلك المناطق، وأصبحت مدركة جيدًا لهذا التوجه الذي يخدم القوى الشمالية الاحتلالية على حساب تضحياتهم ونضالاتهم. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب المتمسكة بقضيتها العادلة، والموحدة صفًّا وهدفًا، قادرة على كسر أعتى المؤامرات، مهما حاول المخططون ورسم استراتيجياتهم المبنية على علم الاجتماع السياسي في تحقيق النزعة التدميرية للمشروع الوطني الجنوبي التحرري المبني على دماء وتضحيات أبنائه التي لا ثمن لها غير استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.




الأكثر زيارة


‏المبادئ لا تتجزأ.. وعمرو البيض يرفض "كرسي الرئاسة" لأجل الج.

الأربعاء/18/فبراير/2026 - 10:25 م

في موقف سياسي يعكس عمق الالتزام بقضية شعب الجنوب، رفض الأستاذ عمرو علي سالم البيض، الممثل الخاص لرئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، عرضاً دولياً مغرياً (أ


تصعيد جنوبي واسع ضد قرارات العليمي.

الأربعاء/18/فبراير/2026 - 02:01 ص

تشهد الساحة السياسية في الجنوب، وعلى وجه الخصوص العاصمة عدن، تصعيدًا غير مسبوق في الخطاب السياسي والميداني، عقب سلسلة بيانات متلاحقة صدرت عن هيئات وقي


عيدروس الزبيدي في ظهور جديد يوجّه رسالة مهمة لأبناء الجنوب ف.

الأربعاء/18/فبراير/2026 - 01:55 م

بعث اللواء عيدروس قاسم الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي برقية تهنئة رسمية إلى كافة أبناء شعب الجنوب في الداخل والخارج، وذلك بمناسبة حلول شهر رمض


أول تصريح لرئيس الوزراء ‘‘الزنداني’’ عقب وصوله عدن.

الأربعاء/18/فبراير/2026 - 05:40 م

أكد رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين، الدكتور شائع محسن الزنداني، أن عودة الحكومة إلى عدن تعكس إصرارها على تحمل مسؤولياتها الوطنية من ا