مقالات صحفية


ردًا على تلك المقولة القائلة: "ضرورة التعاطي مع السعودية لحماية المكتسبات الوطنية التي أُنجزت لقضية شعب الجنوب"

الجمعة - 06 مارس 2026 - الساعة 12:01 ص

د.  أمين العلياني
الكاتب: د. أمين العلياني - ارشيف الكاتب



في خضم التجاذبات السياسية التي تعصف بالمنطقة، وتحت وطأة الخطاب الإعلامي الذي يسعى أحيانًا إلى تغليف المصلحة الذاتية بثوب الحرص على المكتسبات الوطنية، تتردد بين الفينة والأخرى مقولات تستحق الوقوف عندها طويلًا، بل وتفكيكها بمنهجية علمية وبصيرة ثاقبة.

ومن أبرز هذه المقولات التي يجري ترويجها بعناية من إعلاميي "البناكس" أو قيادات رتَّبت أوضاعها، وبعضها يريد إثبات الولاء؛ لعل الدور الآتي يكون من نصيبهم، تبقى تلك الدعوة الموسومة بـ"التعاطي الحتمي مع المسار السعودي" بوصفها ضمانة وحيدة للحفاظ على ما أُنجز من مكاسب لقضية شعب الجنوب. وهي مقولة دائمًا ما تُطرح بحلة براقة، لكنها تحمل في طياتها من المغالطات والخداعات الخبيثة والتسليم المسبق ما يستدعي منا ردًا رزينًا يضع النقاط على الحروف.

سعدت مساء أمس، وتحديدًا في التاسعة مساءً، بدعوة كريمة من البروفيسور فضل الربيعي، رئيس مركز "مدار" لدراسات الرأي والبحوث الاجتماعية، لأكون ضيفًا محاورًا ومتحدثًا رئيسًا في حلقة نقاشية ثرية؛ تلك الحلقات التي تُعد بحق لبنة أساسية في صرح صناعة الوعي الجنوبي، القادر على مواجهة التحديات بمنظار واقعي لا يعرف الانبهار بالكبار، ولا الانجراف وراء الشعارات الجوفاء.

في مستهل اللقاء، قدم البروفيسور فضل الربيعي رئيس المركز تأطيرًا دقيقًا لمحاور الجلسة، ليأتي الدور على تقديم قراءة تحليلية معمقة للواقع المتسارع والتطورات الأخيرة في الجنوب، متوقفين عند تداعيات أحداث حضرموت التي كشفت الكثير من الأوراق.

وأنا بوصفي ضيفًا، أكدت وما زلت أؤكد أن التحرك الجنوبي إلى حضرموت والمهرة لم يكن وليد لحظة غضب أو مناوشات عابرة، بل كان خطوة ضرورية، وهدفًا سياسيًا، وخطة استراتيجية محسوبة بدقة؛ لدرء المخاطر المحدقة بقضية شعب الجنوب، انطلاقًا من معرفة قادة المجلس الانتقالي الجنوبي ببعض بنود التسوية السياسية التي ترعاها الأمم المتحدة، ونقاشات احتضنتها سلطنة عمان بتوافق سعودي، وأن قضية الجنوب لم تكن حاضرة بوصفها السياسي مع أنها تمثل ركيزة الحل، وبسببها قامت السعودية بقصف قواتنا في صحراء حضرموت والمهرة ومناطق في الضالع.

وبعد التوضيح، فندت الأسباب بوضوح وحيادية ومنهجية صحفية في الآتي:
السبب الأول: كان ذا بعد وطني خالص، تمثل في ضرورة قطع ممرات تهريب السلاح التي كانت تغذي مليشيات الحوثي الإرهابية، والتي كانت تمر عبر مناطق سيطرة قوى كانت تُصنف ضمن "المنطقة العسكرية الأولى". وهذا التحرك، خلافًا لما يُروَّج له، لم يخرج عن إطار التفاهمات السابقة، بل جاء متماهيًا مع روح مخرجات اتفاق الرياض ٢٠١٩م، الذي يفترض أن يكون الجميع حريصين على تطبيقه لا على تفريغه من مضمونه، ناهيك عن إصلاح الخلل المؤسسي الذي كان يغذيه رئيس مجلس القيادة عبر أجندات داخل حضرموت؛ لمحاولة تقويض السلطة المحلية ومنع الوقود عن عدن والمحافظات الأخرى.

أما السبب الثاني: فكان أكثر خطورة واستباقية، وهو درء مخاطر التفكيك الممنهج التي كانت تُحاك ضد الجنوب، وتُدبر بخيوط من قوى إقليمية باتت مكشوفة للجميع. وقد تكشفت هذه المؤامرة جلية عندما تمادى البعض في ضرب القوات الجنوبية، متسترين بمبررات واهية لا يقبلها عاقل، ويجرمها القانون الدولي، مما يؤكد أن هناك أجندة لا تريد للجنوب أن يكون كيانًا مستقرًا. بل صار الانتقالي يشكل الحاجز المعيق للتسوية السرية التي تمكن الحوثي من ٨٠ بالمائة من عائدات نفط الجنوب، وهو ما رفضه الرئيس عيدروس، معتبرًا أن هذا حق شعب ضحى ضد الانقلاب وقوات الاحتلال، فكيف تكون مكافأتهم نفطنا وثرواتنا؟

والسبب الثالث: أن التدخل كان بتوافق أربعة أعضاء فاعلين يملكون قوة التأثير في ميدان المعركة، وهم: الرئيس الزبيدي، واللواء البحسني، وطارق صالح، وأبو زرعة المحرمي، وليس قرارًا أحاديًا كما يزعمون من جهة، ومن جهة أخرى من حق القوات الجنوبية تطهير أرضها من الإرهاب والتهريب.

من هنا، فإن الدعوة المبطنة التي تُسمع هذه الأيام، ومحاولة إقناع البعض بالانصياع والتطويع إلى "المسار السعودي" بصفته الوصي الحصري على مكتسبات الجنوب الوطنية والعسكرية والأمنية والرواتب والخدمات، إنما هي دعوة تفتقر إلى قراءة سليمة لميزان القوى ومآلات الأمور، بعد أن عرف الشعب أن من يتغنى بتوفير الوقود من حضرموت قد صار بمنظور الشعب هو من كان يمول المجاميع التي تقطع الخطوط وتعيق القواطر ووصولها إلى عدن. والكل يعرف من خنق عدن والمحافظات الجنوبية. أليست هي الجهة المعلومة لشعب الجنوب؟ ويدرك ذلك تمامًا أن المقصود كان كيف ينتفض الشعب ضد الانتقالي وقيادته، لكن لم تتحقق لهم تلك الخطوط والخطوات، فانتقلوا إلى مخطط سرد السردية لتبرير ضرب القوات الجنوبية تحت ذرائع حماية أمننا القومي من منظور السردية السعودية ومن منظور مجلس القيادة. فالسردية التي قال بها إن الانتقالي وقائده اتخذا خطوة أحادية تقوض الشرعية القانونية لمجلس القيادة. وهل المجلس خلال الآن شرعي حتى يُقوَّض بعد خروج اثنين من أعضائه الفاعلين؟ بينما أبناء حضرموت جرى إقناعهم عبر اللجنة الخاصة، فقد أقنعتهم السعودية بسردية أن ضرب القوات الجنوبية كان لحماية قبائلكم. واليوم قبائل حضرموت الغالية على قلوبنا تحت شفقة طامش وهامش، فأين تلك الحماية؟

ومن هنا أقول: إن أي حوار جاد وموضوعي لا يمكن أن يُبنى على وعود تُمنح هنا أو هناك، بل يجب أن تكون قاعدته الصلبة الثابتة هي عدن، العاصمة التاريخية والسياسية للجنوب؛ لأن تحويل مركز الثقل إلى عدن هو الضمانة الوحيدة لإبعاد قضية شعب الجنوب عن دائرة الضغوط والمساومات التي تهدد مستقبل شعب قدم من التضحيات الباهظة ما لا يمكن لأي قوة أن تحتكر تمثيله أو تتصرف نيابة عنه.

وبهذا ندعو بلغة مهنية إلى أن أي حوار مزعوم لا يُعقد في عدن، ولا يرتكز إلى ثوابت استعادة دولة الجنوب العربية كاملة السيادة، ما هو إلا محاولة لإدخال قضيتنا في دوامة عبثية لا يمكن الخروج منها إلا بالمزيد من التنازلات التي تخل بمبادئ وأهداف الشعب.

لقد دفع الجنوبيون أثمانًا غالية، ويُعد أي تجاوز في هدفها المتمثل باستعادة الدولة الجنوبية كاملة السيادة خيانة عظمى لا تزال ندوبها ماثلة، وهم اليوم أقدر على حماية مكتسباتهم بأنفسهم، لا عبر انتهازية البعض ممن يلبسون ثوب الحرص وهم يسعون لتصفية قضية شعبهم تحت مسميات براقة ومناصب زائلة.

وليعلموا أن قضيتنا خط أحمر، وعدن هي بوصلتنا، والعودة إليها هي عنوان السيادة الحقيقية، وستظل إرادة شعبنا تقول بصوت عالٍ: عيدروس الزبيدي رئيسنا، والمجلس الانتقالي الجنوبي يمثلنا.




الأكثر زيارة


إنزال أمريكي وغارات إيرانية وانقطاع للكهرباء.. ماذا يحدث في .

الخميس/05/مارس/2026 - 12:44 ص

بدأت تداعيات الحرب الإقليمية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تتسلل إلى الساحة العراقية، مع تواتر تقارير عن تحركات عس


انتهت النسخة الفاسدة… وحان وقت الجيل النظيف.

الأربعاء/04/مارس/2026 - 11:21 م

كتب : صالح علي بامقيشم أقولها بوضوح: النسخة الفاسدة من المجلس الانتقالي الجنوبي انتهت. المرحلة التي شابها سوء الإدارة، وتغليب المصالح الشخصية، والصراع


اغ.تيال تاجر بارز في الحوبان شرقي تعز.

الخميس/05/مارس/2026 - 05:05 م

قُتل تاجر بارز، فجر اليوم الخميس، برصاص مسلح في منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي شرق مدينة تعز، جنوب غربي اليمن، في حادثة أثارت حالة من الاس


عاجل : تحت غطاء التجنيد..السعودية تسقط حضرموت بيد الحو.ثيين.

الخميس/05/مارس/2026 - 01:10 ص

كشفت مصادر مقربة من فرقة الطوارى اليمنية عن توافد المئات من ابناء الشمال الى حضرموت تلبية لدعوة الفرقة للتجنيد واكدت المصادر بأن العناصر المتوافدة إلى