مقالات صحفية


حكومة الأمر الواقع: من الهروب في ملف الخدمات المزعومة إلى تسييس النيابات لمحاربة قيادات وناشطي الجنوب

الأحد - 08 مارس 2026 - الساعة 12:31 ص

د.  أمين العلياني
الكاتب: د. أمين العلياني - ارشيف الكاتب



في النماذج السياسية الواقعية، حين تُفرض حكومة تستمد أوامر وجودها وشرعية بقائها من طرف إقليمي، لا من إرادة شعبها، فإنها تدخل حتمًا في متاهة سياسية وقانونية تضعها في مواجهة مباشرة مع من يفترض أنها تمثلهم. هذا هو حال حكومة الأمر الواقع في الجنوب، التي تدار من خارج حدودها الجغرافية، وتنفذ أجندات نيابة عن وصي إقليمي فرضها ومولها، لتكون أداة طيعة في مشروع يهدف إلى فرض واقع جديد يعبث بمصير قضية سياسية ناضل من أجلها شعب الجنوب في استعادة دولته لثلاثة عقود من الزمن.

وما جرى بالأيام الماضية على أرض العاصمة عدن واليةم على بعض المحافظات الجنوبية، من تحول خطير في أدوات هذه الحكومة، يفضح حقيقة ما آلت إليه الأمور: الانتقال من الفشل الذريع في ملف الخدمات، إلى تسييس النيابات والمحاكم، وجعلها ساحة لتصفية الحسابات مع القيادات والناشطين الجنوبيين، في مشهد يعيد إنتاج سيناريوهات مؤلمة من الماضي، وإن اختلفت الوجوه وتغيرت المراحل والمسميات.

لطالما روجت حكومة الأمر الواقع، ومن خلفها الطرف الإقليمي الداعم لها، بأن وجودها ضرورة لتسيير شؤون الناس وتوفير الخدمات والرواتب غير أن هذه الذريعة سرعان ما تكشفت أمام أعين الجنوبيين، الذين أدركوا أن من فرض هذه الحكومة هو نفسه من كان وراء تعطيل الخدمات ومنع توفير الرواتب والوقود على مدى سنوات، عبر أدواته في الحكومات السابقة التي كانت تدين بالولاء للوصي على حساب شعبها وشروط وجودها الوطني.

إن معاناة أبناء الجنوب في محافظاته من انقطاع التيار الكهربائي، وتلوث مجاري العاصمة عدن التي تهدد حياة المواطنين، وأزمة الغاز المنزلي التي تتفاقم يوماً بعد يوم، ليست مجرد إخفاقات إدارية عابرة، بل هي سياسة ممنهجة مكشوفة تعيد إنتاج مشهد ما بعد حرب صيف 1994م، حين فرضت قوى الأمر الواقع واقعاً جديداً على الجنوب، تحت عناوين مختلفة، وبنفس الأدوات القمعية.

والسؤال المشروع الذي يطرحه كل جنوبي: كيف لحكومة عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة لمواطنيها، أن تجد الوقت والقدرة والجاهزية لمحاربة الناشطين السياسيين والمتظاهرين السلميين، وتكتيم أفواههم بدلاً من تنظيف مجاري عدن أو حل أزمة الغاز؟

إن أخطر ما آلت إليه الأوضاع في ظل حكومة الأمر الواقع، هو التحول المشين الذي طال مؤسسات القضاء والنيابات حتى وصل الولاء للوصاية الإقليمية ببعض المسؤولين حد التعبية والانبطاح الكامل، فأصبحت النيابات العامة والمحاكم مجرد أدوات تكرس لخدمة الأجندة الإقليمية، وتصدر أوامر قهرية بحق القيادات والناشطين الجنوبيين، تحت ذرائع واهية، وبإجراءات لا تمت لسيادة الدولة ولا للقانون بصلة.

ما صدر اليوم بحق القائد المناضل الصنديد، رئيس انتقالي شبوة، لم يكن حادثاً منفرداً، بل هو حلقة في مسلسل قادم، يهدف إلى إيصال رسالة واضحة للشعب الجنوبي: يجب أن ترضخ للوصاية، وأن تتخلى عن قضيتك، وأن تدرك أن مصيرك لم تعد تقرره مليونياتك الحاشدة، بل مصالحنا الإقليمية الراعية للحرب.

إن هذه البادرة الخطيرة تجسد تحولاً نوعياً في علاقة الحكومة بالشعب، فهي لم تعد فقط عاجزة عن تقديم الخدمات، بل أصبحت أداة قمع نشطة تستهدف الرموز الوطنية والقيادات الثورية، في محاولة يائسة لكسر الإرادة الجنوبية التي أثبتت المليونيات الأخيرة تماسكها وتفافها حول مشروعها التحرري.

لقد حذرت القيادة الجنوبية ممثلة بالمجلس الانتقالي الجنوبي مراراً من مغبة التحول في علاقة القوى المحلية بالوصاية الإقليمية. ما كان بالأمس القريب تحالفاً استراتيجياً في مواجهة مشروع التمدد الحوثي الإيراني، أصبح اليوم وصاية مكشوفة تتدخل في تفاصيل السلطة والقضاء، وتحاول فرض واقع يخدم مشروعاً سياسياً لا يختلف كثيراً عما جرى في تسعينيات القرن الماضي من قبل الاحتلال اليمني اللعين.

المخزي في الأمر أن من يفترض بهم أن يكونوا شركاء في تحرير القرار الجنوبي، أصبحوا اليوم يصدرون أوامر القبض بحق من قادوا معارك التحرير، ويجرمون من ناضلوا في الساحات دفاعاً عن الهوية الجنوبية. ومن هنا فقد تحولت الخدمات التي وعدوا بها إلى قوانين بوليسية، وأصبحت النيابات منصة لتصفية حسابات لا علاقة لها بالعدالة، بل بمنطق الوصي الذي يريد للجنوب أن يركع.

لكن ما يجهله الوصي ومن يدورون في فلكه، أن الشعب الجنوبي الذي صمد أمام أعتى المحن على مدى ثلاثة عقود، لن ترهبه أوامر قبض ولا تصنيفات سياسية. وليجيب أن يفهم الوصي واجندته أن الشعب الجنوبي الذي خرج بالمليونيات ليؤكد تمسكه باستعادة دولته كاملة السيادة، أثبت أنه عصي على الترويض والاستسلام، وأن قضيته العادلة أقوى من كل محاولات الالتفاف عليها.

إن مرور مثل هذه السياسات دون محاسبة سيفتح الباب أمام مآلات خطيرة، وسيحول علاقة الحليف بالوصي إلى مواجهة مفتوحة، عواقبها وخيمة على الجميع. فالجنوب اليوم ليس كما كان في الماضي، فقد نضجت قضيته، وتشكل وعيه، وترسخت هويته، وبات يمتلك قيادة واعية ممثلة بالرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي، وجيشاً وطنياً يحمي مشروعه، وشعباً لا يقبل المساس بحريته ولا بمكتسباته مهما كانت التضحيات.

حكومة الأمر الواقع اليوم أمام مفترق طرق خطير: إما أن تعيد النظر في أدواتها وتدرك أن الاستمرار في سياسة القمع والاعتقالات لن يجلب لها شرعية مفقودة، وإما أن تواجه مصير كل السلطات التي حاولت كسر إرادة الشعوب، فانتهى بها الأمر في مزبلة التاريخ.

إن ما حصل في عدن و اليوم في بعض المحافظات الجنوبية ليس مجرد أزمة حكومية عابرة، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة هذه السلطة على التعايش مع شعب يرفض الوصاية، ويصر على حريته، ويمضي في طريقه نحو استعادة دولته، رغم كل المؤامرات والتحديات. فالجنوب سيبقى عصياً، وقضيته ستبقى حية، مهما حاولت نيابات الأمر الواقع وأجهزتها القمعية أن تطفئ شمسها التي أشرقت ولن تغيب.




الأكثر زيارة


الالتفاف الشعبي خلف الرئيس الزبيدي يعزز مسار استعادة دولة ال.

السبت/07/مارس/2026 - 12:36 ص

في ظل التطورات السياسية والأمنية التي تشهدها الساحة الجنوبية، تتواصل مظاهر التلاحم الشعبي في عدد من محافظات الجنوب العربي ، حيث يؤكد مواطنون أن الالتف


الضالع .. مجلس الشيخ أنور شيبان" بالفجور يحيي ليالي رمضان با.

الجمعة/06/مارس/2026 - 11:35 م

إحياء للمسابقات الثقافية الرمضانية التي تقام كل عام "وبرعاية ودعم رجل الخير الشيخ محمد عبدالكريم الفروي ينظم صندوق الفجور الخيري مسابقة الفجور الرمضان


غموض حول مصير إسماعيل قاآني وشائعات عن إعدامه .

السبت/07/مارس/2026 - 09:01 ص

تتصاعد على نحو متزايد التكهنات حول مصير قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني، الجنرال إسماعيل قاآني، بعد تداول تقارير غير مؤكدة تزعم أن طهران أعدم


بيان صادر عن منسقيات المجلس الانتقالي في جامعات الجنوب..

السبت/07/مارس/2026 - 06:01 ص

إننا في منسقيات جامعات الجنوب ومن موقعنا الأكاديمي والعلمي لا ننظر إلى محاولات استهداف القائد لحمر بن لسود رئيس الهيئة التنفيذية للمجلس الانتقالي الجن