مقالات صحفية


اعتذروا للجنوب قبل أن تخسروه

الخميس - 12 مارس 2026 - الساعة 10:24 ص

د.يحيى شائف ناشر
الكاتب: د.يحيى شائف ناشر - ارشيف الكاتب


المقدمة :
لم تكن رؤية الجنوبيين لعاصفة الحزم مجرد طائرات تحلق أو جيوش تزحف ؛ بل كانت بمثابة عقدا وجوديا كتب بالدم في خنادق العزة حين وقف المقاتل الجنوبي شامخا ، يحمل على عاتقه أمن المنطقة ، ومدافعا عن خاصرة المملكة حين اهتزت العروش أمام المد الحوثي الإيراني ؛ إلا أن فلسفة السياسة تعلمنا اليوم بأن أقصى أنواع الألم ليس طعنة العدو ، بل الالتفاتة الغادرة للحليف ٠
ولها فنحن اليوم أمام مشهد سريالي غريب ، حيث تحول السند إلى قيد ، والمحرر إلى محاصر ، في محاولة لوأد حلم شعب لم يركع لغير الله طيلة ثلاثين عاما من النضال لاستعادة هويته المسلوبة.

ب- التحليل

أولا : فينومينولوجيا الغدر ٠

في منعرج حاد من تاريخ الصراع ،حين أخطأت البوصلة السعودية اتجاهها فبدلا من أن تحمي عاصفة الحزم حلفاءها الصادقين ، استدارت طائرات المملكة لتقصف القوات الجنوبية في شعاب حضرموت وسواحل المهرة ؛ إذ لم تكن تلك مجرد أخطاء تقنية ، بل كانت فلسفة إخضاع متعمدة، وسقوط مئات الشهداء والجرحى بنيران الحليف رسم علامة استفهام كبرى في الوعي الجنوبي : هل نحن شركاء في النصر ، أم مجرد وقود لمشاريع الهيمنة المتجددة؟.
إنها لحظات الغدر التي صدعت جدار الثقة، وحولت نشيد التحالف إلى مرثية للوفاء الموؤود.

ثانيا : محاولة اغتيال القيادة وعبث السياسة.

لم تكتف السياسة بضرب الميدان ، بل امتدت يدها لتطال سيادة الرمز ورأس الهرم القيادي حين استهدفت
الأخ الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية ، أضف إلى محاولات تهديده بسحب القوات الجنوبية من عدن ، ومحاولة تجريده من صلاحياته السياسية ، ثم ملاحقته وقصف مسقط رأسه بهدف اغتياله وصولا إلى احتجاز وفد المجلس الانتقالي الجنوبي في الرياض وإجباره مكرها على حل الانتقالي ، إن كل هذه الأعمال الغادرة لم تكن مجرد مناورات ديبلوماسية ، بل كانت عملية إعدام سياسي لمشروع استعادة الدولة الجنوبية والتخلي عن عملية الشراكة واتفاقيات الرياض (١-٢) التي تحولت إلى قيود بديلة عن المخارج والحلول .
كما أن توجيه المملكة بإغلاق مقرات الانتقالي واتباع سياسة تفكيك القوات الجنوبية
ومحاولة تمزيق وحدة النسيج الاجتماعي الجنوبي كانت بمثابة طلقة الموت التي أريد لها أن تمزق جسد الحليف الجنوبي ، ظنا منها بأن الهوية الوطنية يمكن تذويبها بكل بساطة في أحماض المصالح المؤقتة .

ثالثا: فراغ الولاء بين مقامرة التاريخ والاستقطاب الدولي.

وهنا ينبغي على المملكة أن تدرك جيدا بأن الجغرافيا لا تخون، لكن الشعوب تهاجر في تحالفاتها حين تظلم.
وانطلاقا من ذلك فإن الجنوب اليوم ليس مجرد أرض ، بل هو قلب العالم النابض الذي بيده مفاتيح الممرات والبحار والمضاييق في زمن الصراع الدولي بين الجبابرة الكبار .
ففي سياق هذا المشهد السياسي الساخن يأتي الخذلان السعودي ليفتح الأبواب على مصراعيها لقوى إقليمية ودولية تترقب لحظة الانكسار لتقدم للجنوب ما منعت عنه الشقيقة.
إن الاستراتيجية الكبرى للصراع تحذر بأن من يخسر حليفا صادقا في وقت الشدة سيبحث عنه في وقت الهزيمة ولن يجده إلا في خندق الخصوم ، وحينها ستكون المملكة هي الخاسر الأكبر.

رابعا: الاعتذار كفعل سياسي استباقي.

إن الاعتذار بالعرف الفلسفي هو فعل الشجعان الذي يسبق الانهيار الشامل ؛ لأنه لا يكفي الترميم في مثل هكذا حالة ، بل يجب الهدم وإعادة البناء من جديد من خلال الآتي :
١- الاعتراف الصريح بحق شعب الجنوب في استعادة دولته كاملة السيادة.
٢-الكف عن سياسة التفكيك السياسي والعسكري والاجتماعي لكلما هو جنوبي ، والعودة لمبدأ الشراكة الندية لا التبعية المطلقة.
٣-جبر الضرر السياسي والمعنوي عن الاستهدافات التي طالت القوات المسلحة الجنوبية والقيادة العسكرية والسياسية الجنوبي ممثلة بالأخ الرئيس القائد عيدروس الزبيدي ورفاقه وإعادة الاعتبار لما لحق من ضرر في بنية النسيج الاجتماعي الجنوبي .

ج- الخلاصة :

إن ما جرى من خذلان للجنوب هو خسارة استراتيجية للمملكة إن لم تستدركها بالاعتذار الكامل ستندم عليها حين لا ينفع الندم ، لأن التاريخ لا يغفر للمقامرين بأمنهم القومي من أجل حسابات حزبية أو إرضاء لخصوم الأمس من (بقايا الاحتلال اليمني).
إن شعب الجنوب الذي صمد ثلاثين عاما لن تكسره ضغوط الحليف، وهو اليوم يضع المملكة أمام خيارين : إما اعتذار شجاع يعيد صياغة التحالف ، أو استمرار في النهج الحالي الذي سيؤدي بالضرورة إلى ارتماء الجنوب في أحضان تحالفات دولية جديدة تضمن له استعادة دولته .
ولهذا ينبغي على أشقائنا في المملكة أن يعتذروا للجنوب قبل أن يفقدوه ، فإرادة الشعوب أقوى من عواصف الطائرات ومؤامرات الغرف المغلقة ، لأن من يزرع الريح في أرض الحليف ، لن يحصد إلا عواصف الاغتراب الخطيرة.

د . يحيى شائف ناشر الجوبعي
باحث ومحلل سياسي




الأكثر زيارة


رحيل مفاجئ لشابة يثير موجة حزن واسعة على مواقع التواصل.

الأربعاء/11/مارس/2026 - 12:37 م

توفيت الشابة هناء ياسر بعد صراع مع مرض الملاريا، في خبر مؤلم أثار حالة من الحزن والأسى بين أصدقائها ومتابعيها على مواقع التواصل الاجتماعي. وعُرفت الرا


اعتذار وتصويب صحفي يخص محكمة الشعيب بسبب منشور سابق.

الخميس/12/مارس/2026 - 04:32 ص

قدم الإعلامي مشتاق الجعفري اعتذاره الرسمي لرئاسة وأعضاء وكوادر محكمة الشعيب الابتدائية، جراء ما تضمنه منشور سابق له نُشر في صحيفة "صوت العاصمة"، ضد ال


حادث مأساوي يخطف أحد أبرز الشخصيات في أبين.

الأربعاء/11/مارس/2026 - 01:48 م

أفادت مصادر محلية بأن محافظة أبين فقدت أحد أبرز رجالها الوطنيين، بعد أن توفي القائد ثابت السعدي اليافعي إثر حادث مروري مؤلم وقع على الطريق الرابط بين


تعز.. خلاف عائلي يتحول إلى مأساة.

الأربعاء/11/مارس/2026 - 07:55 م

قُتل شاب، أمس الثلاثاء، إثر تعرضه لإطلاق نار من قبل شقيقه في محافظة تعز، جنوب غربي اليمن، في حادثة يُعتقد أنها وقعت على خلفية خلاف عائلي. وأفادت مصادر