مقالات صحفية


الخريطة التي تُرسم من خارج الحدود

الإثنين - 29 يونيو 2026 - الساعة 12:27 ص

علي سيقلي
الكاتب: علي سيقلي - ارشيف الكاتب



ليست كل الخرائط تُرسم بالحبر، ولا كل الحدود تُحدد بخطوط الجغرافيا. فهناك خرائط أخطر، تُرسم في الغرف المغلقة، وعلى طاولات المصالح، حيث تتحول الأوطان إلى مربعات شطرنج، وتصبح الشعوب مجرد أحجار يُعاد تحريكها كلما اقتضت الحاجة.
وحين تعجز القوى الخارجية عن احتلال الأرض، فإنها تبحث عن احتلال القرار. وحين يصعب عليها تغيير الجغرافيا، تبدأ بتغيير البوصلة، حتى يصبح أبناء الوطن أنفسهم أدوات في رسم خريطة لا تشبه أحلامهم ولا تعبر عن تطلعاتهم.
المشكلة ليست في أن للدول مصالح، فهذا أمر طبيعي في السياسة الدولية، وإنما في أن تتحول بعض النخب المحلية إلى أقلام ترسم تلك الخرائط بالنيابة عن الآخرين، بينما تتوهم أنها ترسم مستقبل أوطانها. وهنا تبدأ المأساة؛ إذ يصبح القرار الوطني مرهونًا بإرادة الخارج، ويغدو الخلاف الداخلي وقودًا لمشاريع لا يعرف أصحابها أين تنتهي.
الخريطة التي تُرسم من خارج الحدود لا تبدأ بالدبابات، بل تبدأ بالكلمات. تبدأ بإعادة تشكيل الوعي، وإقناع الناس بأن خلاصهم لا يأتي إلا عبر هذا المحور أو ذاك، وأن مستقبلهم لا يُصنع إلا في عاصمة بعيدة. شيئًا فشيئًا، يتراجع الإيمان بالقدرة الذاتية، ويحل محله انتظار التعليمات والإشارات.
ولأن السياسة لا تعرف الفراغ، فإن الخارج يتقدم كلما تراجع الداخل. وكلما انقسمت القوى الوطنية، وجد الآخرون فرصة أوسع لرسم خرائطهم فوق أنقاض الخلافات المحلية. وما كان يومًا مشروعًا وطنيًا جامعًا، يتحول إلى مشاريع صغيرة، لكل منها ممول، ولكل منها أجندة، ولكل منها بوصلة لا تشير إلى الوطن.
وفي الجنوب، كما في غيره من المناطق التي أنهكتها الصراعات، تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحًا. فكلما تعمقت الانقسامات، ازدادت قدرة الآخرين على التأثير في شكل المستقبل. وكلما ارتفع صوت التخوين، انخفض صوت الحكمة، واتسعت المسافة بين ما يريده الناس، وما يُراد لهم.
إن أخطر ما في الخرائط التي تُرسم من خارج الحدود أنها لا تُعلن عن نفسها. تأتي دائمًا مغلفة بشعارات براقة، وبوعود كبيرة، لكنها في النهاية تُنتج واقعًا يفقد فيه الوطن استقلال قراره، وتفقد فيه الشعوب حقها في اختيار طريقها بنفسها.
لا أحد يرفض العلاقات مع الأشقاء أو الأصدقاء، ولا أحد ينكر أهمية التحالفات في عالم تحكمه المصالح. لكن الفرق كبير بين شراكة تحفظ القرار الوطني، وبين ارتهان يجعل الوطن مجرد ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
فالسيادة ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، بل قدرة حقيقية على أن يكون القرار نابعًا من الداخل، وأن تُرسم خريطة المستقبل بإرادة أبنائه، لا بإملاءات الآخرين.
إن الأوطان التي تسمح للآخرين برسم خرائطها، تستيقظ يومًا لتكتشف أنها لم تعد تعرف ملامحها. أما الأوطان التي تتمسك بوحدتها الداخلية، وتبني قرارها على إرادة شعبها، فهي وحدها القادرة على رسم حدود المستقبل بيدها.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة البسيطة التي كثيرًا ما يغفل عنها المتصارعون: لا أحد أحرص على الوطن من أبنائه إذا اجتمعوا، ولا أحد أقدر على تغيير مصيره منهم إذا امتلكوا قرارهم. وما عدا ذلك، ليست سوى خرائط مؤقتة، يرسمها الآخرون اليوم، ثم يمزقونها غدًا عندما تتغير مصالحه




الأكثر زيارة


هشام الصوفي: المتقاعدون الجنوبيون يهددون بعصيان مدني وإغلاق .

الأحد/28/يونيو/2026 - 11:27 م

حذر الناشط المجتمعي والحقوقي هشام عبده سعيد الصوفي من وصول المتقاعدين المدنيين الجنوبيين إلى مرحلة "جنان في جنان" لانتزاع حقوقهم، مؤكداً أن عزيمتهم لن


تنبيه فني عاجل حول منظومات الطاقة الشمسية في عدن.

الأحد/28/يونيو/2026 - 12:15 م

وجه م. صالح علي ، مهندس منظومات الطاقة الشمسية تنبيه مهم لمستخدميها في عدن، خصوصاً أصحاب منظومات الطاقة الشمسية في المناطق العشوائية والمناطق التي يصل


عاجل : وفاة العطاس وصدمة عارمة تجتاح الشارع الحضرمي .

الأحد/28/يونيو/2026 - 08:05 م

توفي الفنان الحضرمي الشاب عدنان علي العطاس في وادي حضرموت. وأكدت مصادر أن الفنان العطاس توفي فجأة، وأن صدمة عارمة اجتاحت الوسط الفني في حضرموت برحيله.


رئيس تحرير “صوت العاصمة”: رفع الدولار الجمركي قد يبتلع زيادة.

الأحد/28/يونيو/2026 - 05:32 م

حذر الصحفي عادل حمران، رئيس تحرير صحيفة “صوت العاصمة”، من التداعيات الاقتصادية المترتبة على قرار رفع قيمة الدولار الجمركي بنسبة 100%، مؤكدًا أن هذه ال