مقالات صحفية


رصاصـ.ـة الحليف... وحـ.ـروب الآخرين

السبت - 18 يوليو 2026 - الساعة 12:28 ص

احمد عبداللاه
الكاتب: احمد عبداللاه - ارشيف الكاتب



في تلك الليلة، وعلى الصحاري، لم تُقصف قوات جنوبية فقط، بل قُصفت فكرة التحالف نفسها. فقد سقط من الضحايا في ساعات ما يفوق خسائر عام كامل على جبهات مشتعلة، واتضح أن الشراكة التي تتوقف عند أول استقلال في القرار ليست شراكة، بل وصاية. لذلك لم تكن الضربات الجوية السعودية ضرورة عسكرية، بقدر ما كانت إعلاناً سياسياً مكتوباً بالنار، يقول إن القوة المحلية مقبولة ما دامت تابعة، وخطرة حين تبدأ في امتلاك إرادتها.

فالدول لا تحكمها التحالفات المعلنة بقدرما تحكمها مصالحها وحسب. وعندما تنمو قوة محلية إلى الحد الذي يقترب فيه قرارها من الاستقلال، فإنها قد تتحول في نظر بعض حلفائها إلى معضلة ينبغي احتواؤها وتفكيكها قبل أن تصبح خارج دائرة النفوذ.

ولهذا لم يصمد تبرير الضربة بحماية الأمن السعودي أمام الوقائع، لأن جوهر المشكلة لم يكن في حجم ونوع تلك القوات، وإنما في استقلالها النسبي وتمددها على أرضها. وبذلك كشفت المملكة عملياً أنها كانت تدفع نحو تكريس تقسيم الجنوب شرقاً وغرباً، وأن حليفها الداخلي الأكثر قرباً ظل تنظيم الإخوان وقواته. وهو ما يفسر حجم التساوق السعودي معه، والصبر على ازدواجية ولاءاته، باعتبار أن معيار العلاقة لم يكن الالتزام بأهداف التحالف، بل مدى التوافق على حسابات النفوذ والسيطرة.

ولم تقتصر الهجمة السعودية على الوسائل العسكرية، بل امتدت إلى المجال السياسي عبر إنشاء مظلات ومكونات جديدة تحت عناوين الحوار والتوافق، بهدف إعادة تشكيل المشهد الجنوبي ومنع تبلور مركز قرار مستقل. وهكذا بدت الأدوات السياسية امتداداً للأدوات العسكرية.

ومن هنا أصبحت تلك الضربة درساً استراتيجياً يؤكد أن القرار الجنوبي لا يمكن أن يبقى رهينة لإرادة الخارج، وأن أي قوة لا تمتلك استقلال قرارها ستظل عرضة للاستخدام وفقاً لمصالح الآخرين.

وانطلاقاً من ذلك، لا تكتسب أي حرب تشارك فيها القوات الجنوبية مشروعيتها إلا إذا كانت دفاعاً مباشراً عن الأرض وتطلعات الشعب ورداً على اعتداء واضح. أما الزج بها في معارك تخدم أهدافاً خارجية، أو إخضاعها لقيادة لا تملك استقلال قرارها، أو إشراكها مع قوى تناصب القضية الجنوبية العداء، فإنه يفرغ التضحيات من معناها ويحرفها عن غايتها.

ولهذا ينبغي أن تقوم العقيدة العسكرية الجنوبية على مفهوم صارم ومحدد للدفاع عن النفس بتكتيكاته المنضبطة، وليس على مفهوم مطاط يتسع لكل التأويلات. فكل مبدأ يفقد حدوده يفقد معناه، ويصبح الدفاع مجرد اسم مستعار لحروب الآخرين.

لقد كشفت التجارب أن الشعارات التي رفعت لتبرير الحرب، من قبيل الدفاع عن المشروع العربي أو حماية الأمن القومي أو قطع أذرع الخصوم الإقليميين، لم تسقط لأنها هُزمت، بل لأنها اصطدمت بالواقع. فالتحالف الذي قيل إنه جاء لمواجهة عدو محدد، ما لبث أن ذهب يبحث عن التفاهم مع الخصم الذي قامت الحرب أصلاً لمواجهته، ثم انتهى به الأمر إلى توجيه السلاح نحو بعض حلفائه. وهنا تكمن سخرية السياسة، فهي لا تعتذر عن تناقضاتها، بل تطلب من الآخرين أن ينسوا ما قالته بالأمس ويصدقوا ما تقوله اليوم.

لذلك فإن إعادة إحياء تلك الشعارات لا تمنح أي حرب شرعية جديدة، وإنما تعيد إنتاج الوهم ذاته بوجوه مختلفة. أما المعيار الذي لا يتغير فهو أن دم الجندي الجنوبي لا يجوز أن يصبح بنداً في حسابات الآخرين، وأن مشروعية السلاح تبدأ وتنتهي عند الدفاع عن أرض الجنوب وشعبه وحقه في امتلاك قراره المستقل.

#التصعيد_الشعبي_الجنوبي




الأكثر زيارة


فضيحة سياسية تهز تعز.. اتهامات بترتيبات سرية بين قيادات في ح.

الإثنين/02/نوفمبر/2026 - 12:24 ص

تتصاعد التساؤلات السياسية والعسكرية حول مستقبل مدينة تعز، في ظل ما تردد عن وجود اتصالات وترتيبات سرية بين قيادات محسوبة على حزب الإصلاح وقوات صنعاء، ت


عناية إلهية تُنقذ قاضيين من حادث سير مروّع أمام مدينة "إنماء.

الأحد/01/نوفمبر/2026 - 09:55 م

نجا القاضيان ماجد عبده الجيلاني قاضي بالمحكمة التجارية، والقاضي عبدالدائم محسن عبدالله عضو نيابة دار سعد، اليوم، إثر تعرضهما لحادث مروري مروّع على الخ


وضاح الحالمي: رحيل والد الشهداء الستة خسارة موجعة لـكل من عر.

الأحد/01/نوفمبر/2026 - 08:48 م

بعث عضو هيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي ، الأمين العام للأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس، الأستاذ وضاح الحالمي، برقية عزاء ومواساة في وفاة


استجابة للواجب الوطني: كيف ترجمت القوات الجنوبية خطاب التعبئ.

الإثنين/02/نوفمبر/2026 - 12:22 ص

أحدث الخطاب التاريخي العارم للرئيس القائد عيدروس بن قاسم الزُبيدي، والذي أعلن فيه التعبئة الشعبية الشاملة والدفاع عن الحدود السيادية، تحولاً استراتيجي