مقالات صحفية


المملكة وعواقب الخطيئة الاستراتيجية بحق الجنوب

الجمعة - 18 سبتمبر 2026 - الساعة 05:26 ص

د.يحيى شائف ناشر
الكاتب: د.يحيى شائف ناشر - ارشيف الكاتب




إن الحروب بطبيعتها لا تنصف من يتخلى عن حق الإنصاف ولهذا نلحظ بأن السيرورة التاريخية للصراعات المسلحة والتحالفات الاستراتيجية تخضع لقوانين صارمة وحاسمة لا محيد عنها، ولا تدار بالنيات المبيتة ولا بالاستعلاء السياسي ، بل تحكم بظروف الميدان ومعادلات الردع النافذة.
وفي صدارة هذه القوانين تقف فلسفة استراتيجية وأخلاقية ثابتة مفادها أن الحروب لا تنصف من يتخل عن حق الإنصاف؛ لأن العدالة في توزيع الأدوار والمكتسبات واحترام حلفاء الميدان الصادقين ليست نوافل أخلاقية أو إيماءات دبلوماسية ، بل هي الركيزة الفلسفية والأخلاقية والعسكرية الصلبة التي تضمن ديمومة الانتصار واستقرار معادلات الأمن القومي.
فإذا ما أسقطنا هذه المقدمة على عاصفة الحزم التي اندلعت في العام ٢٠١٥ لمواجهة التمدد الحوثي المدعوم إيرانيا بقيادة المملكة والإمارات وبمشاركة القوات الجنوبية بعقيدتها الوطنية والقوات الشمالية بنزعتها الحزبية ، سيلاحظ بأن هناك مفارقة تاريخية صارخة قد تجلت في ميدان المعركة ؛ ففي الوقت الذي تقاعست فيه القوات الحزبية الشمالية ذات العقيدة الانتهازية عن أداء دورها وسلمت الجبهات للحوثيين ، نهض الشعب الجنوبي بعقيدة وطنية تحررية صلبة لا تقبل المساومة. والتقى الجنوبيون مع التحالف العربي (بقيادة المملكة والامارات) في نقطة تقاطع مصالح استراتيجية حاسمة؛إذ تشكلت القوات المسلحة الجنوبية تحت مظلة حاملها السياسي (المجلس الانتقالي الجنوبي وبقيادة رئيسه المفوض عيدروس الزبيدي رئيس المجلس والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية ، لتسطر ملحمة عسكرية وبطولية أذهلت الإقليم والعالم كله.
لم تتوقف الإنجازات الجنوبية عند حدود دحر المشروع الحوثي الزيدي وتطهير أرض الجنوب ، بل تجاوزتها إلى الآتي :
١-اجتثاث الإرهاب العابر للحدود من خلال شن حملات تطهير واسعة وقاضية استهدفت التنظيمات الإرهابية كمنظمتي القاعدة وداعش والإخوان في كل المحافظات الجنوبية وصولا إلى تحرير حضرموت والمهرة واجتثاثه منها٠
٢-تأمين الممرات الاستراتيجية من خلال حماية الملاحة البحرية والمنافذ الحيوية العالمية على امتداد الشريط الساحلي وباب المندب.
٣-الاندفاع شمالا وتقديم التضحيات من خلال المشاركة الفاعلة في تحرير مناطق الثروات والتقدم في جبهات مأرب والجوف وصعدة وصولا إلى مشارف صنعاء مقدمة بذلك أروع صور الوفاء والالتزام الأخلاقي للمشروعين العربي والجنوبي.
غير أن التعاطي السياسي من قبل المملكة مع هذا المنجز العسكري الصلب وهذا الرصيد النضالي العظيم انقلب إلى مسار يتنافى مع مبادئ الشراكة والوفاء ؛ إذ أُبرمت المملكة مشروع شراكة مع الجنوبيين ظاهره التضامن العربي وباطنه الخيانة الصادمة ضد الجنوبيين وقضيتهم العادلة وجيشهم الوطني وحاملهم السياسي المجلس الانتقالي ورئيسهم المفوض عيدروس الزبيدي.
تجسد ذلك كله في الاستهداف السياسي والميداني للقوات الجنوبية من قبل الطائرات السعودية في مطلع يناير من العام ٢٠٢٦م ومحاولات تقويض المجلس الانتقالي والضغط على قيادته المفوضة ، والانقلاب على التفاهمات المشتركة بحسابات سياسية ضيقة.
إن التنكر لشركاء النصر الحقيقيين من قبل المملكة لم يكن مجرد خطأ تكتيكي ، بل كان خطيئة استراتيجية كبرى أحدثت اختلالا عميقا في توازنات المنطقة وأسفرت عن عواقب وتداعيات كارثية أبرزها :

أولا: بروز الفراغ الاستراتيجي مما أدى إلى إضعاف الحليف الميداني الجنوبي الموثوق الذي دحر الخصوم واجتث الإرهاب وأدى ذلك إلى تفكيك جبهات الردع الصلبة مما أفسح المجال للقوى المتربصة لملء هذا الفراغ والاستفادة من حالة التفكك.

ثانيا: تمدد النفوذ المعادي ؛إذ استغلت إيران وأذرعها الميدانية الحوثية هذا الفراغ السياسي والميداني لفرض معادلات قاسية والمضي في تحركات عسكرية واسعة كادت أن تطبق على المشهد بالكامل مستهدفة الساحل الغربي والمخاء وباب المندب.

ثالثا: مكعب الحصار الخانق حين اكتملت لوحة التهديد من قبل إيران وأذرعها في اليمن والعراق للمملكة وللمنطقة مما أوقع الطاقة الاستراتيجية للمملكة بين خناق هرمز والسيطرة الحوثية على باب المندب وهجوم الحشد العراقي على منافذ ينبع مما عرض المنشآت والبنى التحتية السعودية لضربات المليشيات دون رادع ميداني صلب.

رابعا : تآكل الثقة في الشراكات الإقليمية والدولية ؛ إذ أدى انقلاب المملكة على الشراكة الجنوبية الوفية والتنكر لالتزامات التحالف الإماراتي الصادق إلى اهتزاز صورة التعهدات السعودية لدى المراقبين إقليميا ودوليا حتى في أروقة مجلس الأمن ذاته؛ إذ باتت الشراكات تقاس بميزان الضمانات الملموسة والوفاء.
مما جعل مناشدات المملكة بعد محاصرتها من كل الجهات وتعرضها للضربات القاتلة لتشكيل تحالفات جديدة تقابل من قبل الكل بالتحفظ والشك والريبة إدراكا من الكل بأن من يفرغ حلفاءه الميدانيين من عناصر قوتهم إنما يجرد نفسه من وسائل حمايته ويصبح غير موثوق .

الخلاصة :
إن قراءة المشهد برؤية نقدية واستراتيجية شاملة تؤكد أن النصر في الحروب لا يصنع بالمناورات التي تستهدف الحلفاء الصادقين وأن القوة الميدانية الإماراتية والجنوبية التي اجتثت الإرهاب ودحرت المشروع الإيراني وحمت الممرات المائية هي الركيزة الوحيدة الكفيلة بصون الأمن القومي العربي.
إن استعادة زمام المبادرة وتفادي المزيد من الانكشاف الاستراتيجي يستوجبان العودة الفورية من قبل المملكة إلى قواعد العدل والإنصاف واحترام الإرادة الشعبية والميدانية والاعتراف الصريح بشركاء النصر القوات الإماراتية والجنوبية الذين أثبتوا بالدم والحديد أنهم الحارس الأمين والموثوق لسلام المنطقة واستقرارها ؛ وأن لا حل إلا بعودة الشراكة على معايير الندية والصدق والتضحية والاستحقاق وهذه آخر فرصة للمملكة في إنقاذ نفسها والمنطقة والأقليم والعالم ما لم فستكون المملكة هي الخاسر الأكبر وهذا ما لا نتمناه رغم الجراح؛ فأن نهض لهذه المهمة جهابذة السياسة الواقعية وذوي الحكمة والإنصاف فالمملكة إلى خير بإذن الله وأن تركت المملكة لعبث وبعثرة الإخوان فعلى المملكة السلام وحفظ الله الكعبة والديار المقدسة ٠

د يحيى شائف ناشر الجوبعي




الأكثر زيارة


السياسي الجنوبي د. عبد الجليل الشعيبي يفكك لـ BBC معادلة الس.

الخميس/17/سبتمبر/2026 - 05:01 م

شهدت الساحة السياسية والعسكرية في اليمن تحولات ميدانية متسارعة، قرأت تفاصيلها قناة BBC TV الإنجليزية في حوار خاص ومستفيض مع السياسي الأكاديمي اليمني ا


عاجل : قتـ,ـلى وجـ,ـرحى في هجـ,ـوم انتـ,ـحاري استهدف مركز أم.

الخميس/17/سبتمبر/2026 - 05:28 م

هز انفجار عنيف العاصمة اليمنية صنعاء الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، اليوم الخميس ، إثر هجوم استهدف مركزاً أمنياً بمديرية آزال، وسط أنباء عن سقوط ضحايا.


الداعري يكشف كواليس رفض الفريق طارق صالح السفر إلى الرياض وم.

الخميس/17/سبتمبر/2026 - 05:34 م

كتب الصحفي البارز ماجد الداعري مقالا سياسيا وعسكريا هاما عن صراع النفوذ حول قوات طارق صالح، وانعكاسات سقوط الساحل على السعودية وباب المندب والملاحة ال


عاجل.. انفج.ار عنيف يهز العاصمة صنعاء"تفاصيل".

الخميس/17/سبتمبر/2026 - 11:33 ص

هزّ انفجار عنيف العاصمة اليمنية صنعاء، الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي، قبل قليل، وسط حالة من الترقب بشأن ملابسات الحادث. وقال مواطنون إنهم سمعوا دوي انف