تقارير



بين شعار الدعم وخرائط السيطرة: الجنوب في مفترق الطرق

الإثنين - 23 فبراير 2026 - 12:41 ص

بين شعار الدعم وخرائط السيطرة: الجنوب في مفترق الطرق

صوت العاصمة/ عدن



في كل مناسبة سياسية أو تصريح إعلامي، تتردد عبارة ثابتة على ألسنة بعض المسؤولين السعوديين: “نحن مع القضية الجنوبية العادلة”. عبارة تبدو في ظاهرها دعماً سياسياً واضحاً، وتُقدَّم بوصفها اعترافاً بحقوق أبناء الجنوب وتطلعاتهم. غير أن هذا الخطاب، وفق قراءة واسعة في الشارع الجنوبي، يصطدم بصورة مختلفة على الأرض، حيث تتكاثر الأسئلة حول طبيعة الحضور الفعلي في المحافظات الجنوبية، وحدود الدور، وما إذا كان الأمر يندرج في إطار الدعم أم يتجاوز ذلك إلى إدارة مباشرة لمفاصل الجغرافيا والثروة والقرار.
في حضرموت، تتجلى هذه الأسئلة بوضوح أكبر. المحافظة الأكبر مساحةً والأغنى بالموارد النفطية والسمكية والمعدنية، تحولت – وفق الطرح المتداول جنوبياً – إلى ساحة نفوذ واسع يشمل المنافذ البرية كمثل منفذ الوديعة، والمواقع الحدودية كمثل الخراخير، إضافة إلى حقول النفط في وادي حضرموت. كما يمتد الحضور إلى مطار سيئون ومطار الريان، وميناءي المكلا والشحر، وميناء الضبة النفطي، فضلاً عن شركات النفط في الهضبة، والقطاعات الزراعية والسمكية. ولا تقف الصورة عند حدود الاقتصاد، بل تتسع لتشمل المعسكرات والبنية الأمنية، مع اتهامات بقصف وتدمير وحدات جنوبية، وجلب قوات من خارج المحافظة، ودعم عمليات تهريب نفط. هذه المعطيات، كما يطرحها ناشطون، تضع حضرموت في قلب الجدل بين الشعار السياسي والواقع الميداني.
وفي المهرة، المحافظة الشرقية ذات الموقع الاستراتيجي، يتكرر المشهد بصورة مشابهة بحسب الطرح ذاته. الحديث هنا يدور عن سيطرة على ميناء نشطون، ومطار الغيضة، وحقول النفط الواقعة ضمن الحدود الإدارية للمحافظة، إلى جانب الثروة السمكية والمعسكرات. وترافق ذلك اتهامات بقصف قوات جنوبية داخل المهرة، وملف التجنيس الذي يُنظر إليه باعتباره مدخلاً لتغيير التوازنات السكانية والسياسية. هذا الواقع، إن صحّت تفاصيله، يعمّق الشعور بأن المهرة تحولت إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تتجاوز منطق الدعم السياسي.
أما في شبوة، فتبرز أهمية حقول النفط وميناء بلحاف المخصص لتصدير الغاز، إلى جانب ميناء قنا وميناء بئر علي، فضلاً عن الثروات المعدنية. السيطرة على هذه النقاط الحيوية، كما يُقال، تعني الإمساك بمفاتيح الطاقة والتصدير في واحدة من أهم المحافظات اقتصادياً. ويضاف إلى ذلك حضور عسكري في المعسكرات، ما يعزز الانطباع بأن المشهد ليس إسناداً سياسياً بقدر ما هو إدارة فعلية لمفاصل القوة.
وفي الأرخبيل البعيد، سقطرى، حيث الطبيعة الفريدة والموقع البحري الحساس، تتكرر عناوين السيطرة على مطار سقطرى وميناء حولاف والمعسكرات، إضافة إلى الثروات الطبيعية والسمكية. كما يُطرح ملف التجنيس هنا أيضاً ضمن سياق أوسع يتعلق بإعادة تشكيل الواقع الديمغرافي. سقطرى، التي كانت تُعرف بسكينتها وعزلتها، أصبحت بدورها جزءاً من الجدل السياسي حول حدود النفوذ وأبعاده.
في أبين، يتركز الحديث على المعسكرات والثروات المعدنية والسمكية، بينما في العاصمة عدن يتخذ المشهد طابعاً أكثر حساسية، إذ تشمل النقاط الحيوية ميناء عدن، وميناء الحاويات، وميناء الزيت، والقصر الجمهوري، ومطار عدن، والمعسكرات، وصولاً إلى باب المندب وجزيرة ميون ذات الأهمية الاستراتيجية للملاحة الدولية. هذه المواقع تمثل قلب القرار السياسي والاقتصادي والعسكري في الجنوب، وأي حضور فيها يُقرأ بوصفه حضوراً في صلب السيادة.
وفي الضالع، تبرز اتهامات بقصف القوات الجنوبية، ما يضيف بعداً عسكرياً مباشراً للصورة العامة، ويغذي سردية تقول إن العلاقة بين الخطاب والواقع تتسم بتناقض حاد.
ضمن هذه القراءة، يرى قطاع من الجنوبيين أن الفجوة بين التصريح السياسي الذي يؤكد الوقوف مع “القضية الجنوبية العادلة” وبين ما يُطرح عن سيطرة شاملة على الموانئ والمطارات والحقول والمعسكرات، تمثل جوهر الإشكالية الراهنة. فالدعم – بحسب هذا المنظور – يفترض تمكين المؤسسات المحلية وتعزيز القرار الذاتي، لا إحلال إدارة خارجية محلها. كما أن السيطرة على الموارد الحيوية تثير تساؤلات حول من يمتلك قرار الثروة، ومن يحدد أولويات الاستثمار والتصدير، ومن يجني العوائد.
في المقابل، ثمة من يجادل بأن ما يجري يدخل ضمن ترتيبات أمنية وسياسية فرضتها ظروف الحرب وتعقيداتها، وأن الحضور الخارجي يأتي في إطار تحالفات إقليمية لمواجهة تهديدات أوسع. غير أن هذا الطرح لا يبدد القلق الشعبي ما لم يقترن بخطوات واضحة تعيد تعريف العلاقة على أساس الشراكة لا الهيمنة.
المشهد الجنوبي اليوم يقف عند تقاطع حساس: بين خطاب يؤكد العدالة والإنصاف، وواقع ميداني يُقرأ باعتباره إحكاماً للقبضة على مفاصل الجغرافيا والثروة. وبين هذين المسارين، تتصاعد دعوات لشفافية أكبر، وتحديد واضح لطبيعة الأدوار، واحترام الإرادة المحلية في إدارة الأرض والموارد. فالقضية، في جوهرها، لم تعد مجرد شعار سياسي يُرفع في البيانات، بل تحولت إلى اختبار عملي لمدى انسجام الأقوال مع الأفعال، ومدى قدرة الجنوب على صياغة مستقبله بقرار مستقل يعكس تطلعات أبنائه.



الأكثر زيارة


الحـ.ـوثي يقرع طبول الحـ.ـرب.. تحشيدات «كبيرة» على مختلف جبه.

الأحد/22/فبراير/2026 - 01:55 ص

تحشيد حوثي كبير على مختلف جبهات القتال الداخلية في اليمن، في مسعى من المليشيات لتفجير جولة حرب جديدة. وكشفت مصادر عسكرية وإعلامية في تصريحات لـ«العين


مليشـ.ـيا الحـ.ـوثي تعلن رسمياً حالة الطوارئ في عموم المناطق.

الأحد/22/فبراير/2026 - 08:40 م

ناقشت حكومة ميليشيا الحوثي في صنعاء السبت رفع مستوى الجاهزية على مستوى كافة الجهات استعدادا لمواجهة الحالات الطارئة، تحسبا لهجوم أمريكي إسرائيلي متزام


ضبط امرأة بتهمة السحر والشعوذة في عدن.

الأحد/22/فبراير/2026 - 04:55 م

ألقت الأجهزة الأمنية القبض على امرأة في العقد الرابع من عمرها، في منطقة القلوعة، وذلك عقب تورطها في ممارسة أعمال سحر وشعوذة استهدفت أحد المنازل في الم


عودة مرتقبة للرئيس عيدروس الزبيدي إلى المشهد السياسي الجنوبي.

الأحد/22/فبراير/2026 - 11:27 م

ذكرت مصادر خاصة أن عيدروس الزبيدي، رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي، يسعى للعودة القوية إلى المشهد السياسي في جنوب اليمن خلال الأيام المقبلة، بعد فترة غي