مداد العاصمة



في الشرق الأوسط، لا تموت الأوهام بهدوء أبداً

الأربعاء - 04 مارس 2026 - 05:48 ص

في الشرق الأوسط، لا تموت الأوهام بهدوء أبداً

صوت العاصمة/ بقلم / عبد العزيز الخميس

‏الخطأ الاستراتيجي الكبير في الخليج لماذا صفقة السعودية-إيران التي توسطت فيها بكين والمحور الإقليمي المتخيّل يتصادمان مع حقائق جيوسياسية قاسية



‏في الشرق الأوسط، لا تموت الأوهام بهدوء أبداً. يُحتفى بها أولاً بلغة الاختراقات والانفتاحات التاريخية، ثم تُدفن فجأة عندما يبدأ الواقع بالتحدث بصوت أعلى من البيانات الرسمية.
‏هذا بالضبط ما يتكشف الآن مع الاتفاق السعودي-الإيراني الذي توسطت فيه بكين: صفقة سُوّقت ذات مرة كإنجاز دبلوماسي بارع، وتبدو اليوم أشبه بجدار مبني من جص سياسي هش.
‏منذ البداية، كان المبدأ مغرياً بقدر ما كان خادعاً. فكرة أن النظام الديني في طهران يمكن أن يصبح موثوقاً بمجرد مصافحة تحت أضواء الوساطة الصينية لم تكن حساباً استراتيجياً واقعياً.
‏كانت أملاً مفرطاً في التفاؤل ومغامراً في منطقة تعاقب مراراً التفاؤل المنفصل عن واقع القوة. سجل إيران – عند قراءته بدون مرشحات رومانسية – يكشف نظاماً سياسياً يعامل الاتفاقات تاريخياً كفترات تنفس تكتيكية وليست نقاط نهاية؛ أدوات وليست تحولات.
‏بدأ الطلاء يتقشر بمجرد وصول أول اختبارات الضغط الجادة.
‏لم يطرأ على سلوك إيران الإقليمي أي تحول هيكلي ذي معنى. لم تذوب شبكتها من الميليشيات المتحالفة وعلاقات الوكلاء عبر مسارح متعددة.
‏ الـ"تحول التاريخي" المُعلن عنه لم يتجاوز البيانات الصحفية. ما بقي – وبشكل متزايد الوضوح – وهماً سياسياً معبأ بعناية يتصادم مع حقائق جيوسياسية عنيدة.

‏الرواية الموازية:
‏كان أكثر كشفاً الرواية الموازية – التي انتشرت على نطاق واسع في بعض الأوساط السعودية والإعلامية – عن تحالف ناشئ سعودي-باكستاني-تركي.
‏في نسخها الأكثر حماساً، صُوّر كجنين لهندسة ردع جديدة قادرة على إعادة توازن القوى الإقليمية. على الورق بدا مثيراً للإعجاب: اقتصاد خليجي كبير، وعضو في "ناتو" طموح إقليمياً.
‏لكن في الواقع، عندما اشتدت التوترات وأصبح الوضوح الاستراتيجي مطلوباً، ذاب ما يُسمى بالمحور في صمت شرق أوسطي مألوف. باكستان – القوة النووية التي يُستشهد بها كثيراً في مناقشات أمن الخليج – تصرفت تماماً كما تفرضه قيودها الداخلية وحذرها الاستراتيجي: حسبت المخاطر بعناية، تكلمت بهدوء، ولم تُظهر رغبة في التورط في ديناميكيات التصعيد الخليجي. لم يكن هناك إشارة ردع موثوقة تجاه إيران، ولا موقف قوي، وبالتأكيد لا مؤشر على التزام أمني ملزم يغير حسابات مخاطر طهران.
‏أما تركيا، فقد نفذت عرضها المتوازن المعتاد بانضباط مميز. احتفظت أنقرة بمساحة مناورة مع جميع الأطراف، متجنبة التكاليف التي تأتي مع الالتزام الثابت.
‏هذا ليس مفاجئاً؛ السياسة الخارجية التركية خلال العقد الماضي عُرفت بأنها أقل صلابة في الكتل وأكثر مرونة في المواقف. لكن بالنسبة لمن تخيلوا جبهة ردع ثلاثية منسقة بإحكام، كانت الفجوة بين التوقعات والواقع صعبة التجاهل.
‏تحت الضغط، بدا ما قُدّم كعمارة ردع ناشئة أشبه بشبكة فضفاضة من التفاهمات السياسية تفتقر إلى القوة اللازمة للتأثير في سلوك الخصم. كان هناك الكثير من الضجيج الدبلوماسي – وقليل جداً من الأسنان.

‏الوحدة الاستراتيجية:
‏السخرية الاستراتيجية الأعمق هي أن هذا التوجه نحو تفاهمات جديدة تزامن مع تآكل بعض مصادر النفوذ التقليدية.
‏لا مكان أوضح لذلك من اليمن، حيث بدأت الصورة العملياتية تشير مع الوقت إلى شعور متزايد بالوحدة الاستراتيجية.
‏مع إعادة شركاء مختلفين معايرة أولوياتهم أو تقليص تعرضهم، بدا العبء على الرياض أكثر عدم تناسق.
‏هذه هي التكلفة الخفية للرهان الثقيل على شركاء لا تتوافق تقييمات تهديداتهم ومستويات تحملهم للمخاطر وأولوياتهم الإقليمية تماماً مع أولويات المرء.
‏ التحالفات لا تُبنى على مؤتمرات صحفية مشتركة؛ إنها تُبنى على استعداد متبادل لتحمل التكاليف.
‏عندما تتباعد هذه العناصر، يمكن لقناع الشراكة أن يستمر فترة – لكنه يتلاشى سريعاً تحت الضغط.من المهم التوضيح في نقطة واحدة: خفض التصعيد بحد ذاته ليس المشكلة.
‏كل أداة جادة في فن الدولة تستخدمه. الخطر ينشأ عندما يُسمح لخفض التصعيد – أو للكوريغرافيا الدبلوماسية – بأن يحل محل تغيير هيكلي قابل للقياس في عقيدة الخصم وسلوكه.
‏في بيئة أمن المنطقة هذه، تبقى الثقة سلعة تُكتسب من سلوك متسق على مدى الزمن، وليس من تصريحات أو فرص تصوير أو مصافحات وسيطة.

‏إعادة تقييم غير عاطفي:
‏النتيجة غير المريحة لكن الضرورية هي أن عدة رهانات استراتيجية حديثة بُنيت على افتراضات متفائلة بشكل مفرط. كشف الواقع فجوة متسعة بين السرد الدبلوماسي والنتائج.
‏بالنسبة لصانعي القرار في الخليج – الذين تُقاس مصداقيتهم في النهاية بالنتائج لا بالخطاب – تحمل هذه الفجوة عواقب حقيقية.
‏ما هو مطلوب الآن ليس تعديلاً تجميلياً أو إعادة صياغة بلاغية. المطلوب إعادة تقييم هادئة وغير عاطفية.
‏المنطقة تدخل مرحلة تقلب مرتفع حيث ستُعاقب الغموض والتوقعات غير المتوافقة بتكلفة متزايدة.
‏ الوضوح الاستراتيجي، والردع الموثوق، والشراكات المختارة بعناية ستكون أكثر أهمية – وليس أقل – في السنوات المقبلة.
‏السؤال المركزي إذن لم يعد هل وقعت أخطاء حسابية؛ إنها موجودة بما فيه الكفاية.
‏ الاختبار الحقيقي هو هل هناك استعداد مؤسسي لإعادة معايرة المسار قبل أن تتصلب الالتزامات طويلة الأجل إلى واقع هيكلي.
‏في الشرق الأوسط، للتاريخ عادة أن يكون قاسياً مع من يخلطون بين الهدوء المؤقت والاستقرار الدائم. قد تكون هذه اللحظة الحالية تذكيراً آخر.



الأكثر زيارة


انعكاسات الفارق السعري بين برنت ونايمكس على الأمن الاقتصادي .

الأربعاء/04/مارس/2026 - 10:11 م

يشهد سوق الطاقة العالمي حالة من التباين السعري الملحوظ بين خام Brent Blend الذي يتداول عند مستويات تفوق 80 دولارًا للبرميل، وخام West Texas Intermedia


بحضور مدير عام مكتب الثقافة بالمحافظة تدشين منافسات المجموعة.

الأربعاء/04/مارس/2026 - 11:52 م

بحضور الأستاذ علي محسن سنان مدير عام مكتب الثقافة بالمحافظة، والأستاذ فاروق محمد الزيادي مدير محفظة تمكين، ورئيس الجمعية الأستاذ فارض شكري، أُقيم مساء


انتهت النسخة الفاسدة… وحان وقت الجيل النظيف.

الأربعاء/04/مارس/2026 - 11:21 م

كتب : صالح علي بامقيشم أقولها بوضوح: النسخة الفاسدة من المجلس الانتقالي الجنوبي انتهت. المرحلة التي شابها سوء الإدارة، وتغليب المصالح الشخصية، والصراع


تنظيم القاعـ.ـدة يبث إصداراً مرئياً لاعتداء إرهـ.ـابي في أبي.

الأربعاء/04/مارس/2026 - 08:18 م

بثّ تنظيم القاعدة الإرهابي إصدارا مرئيا تضمن توثيقاً لعدوان استهدف مواقع تابعة للقوات المسلحة الجنوبية في مديرية المحفد بمحافظة أبين، وقع أواخر أكتوبر