خيانة الأوطان.. وجهة نظر أم جريمة لا تغتفر
الجمعة - 06 مارس 2026 - 12:28 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
نقف اليوم امام مشهد سريالي يدمي القلوب ويستفز الضمائر الحية في آن واحد، حيث يختلط الحابل بالنابل وتتداخل المفاهيم الوطنية لتصبح الخيانة في نظر البعض مجرد وجهة نظر قابلة للنقاش او التبرير، وهذا لعمري هو الانحدار الاخلاقي والسياسي في ابشع صوره، اذ ان التراخي الشعبي والتهاون المجتمعي مع من باعوا انفسهم في سوق النخاسة السياسية لا يقل جرما عن فعل الخيانة ذاته، بل هو الوقود الذي يغذي هذه النبتة الشيطانية ويمنحها الشرعية لتنمو وتتكاثر في احضان العمالة والارتزاق، فالتجاهل الذي يبديه البعض تجاه طعنات الغدر التي يوجهها هؤلاء لخاصرة الوطن يفتح الباب على مصراعيه امام المزيد من المرتزقة الذين باتوا يتسابقون ويتنافسون على ببيع قضاياهم العادلة والارتماء في اوكار التآمر، ضاربين عرض الحائط بقدسية دماء الشهداء وانين الجرحى ودموع الثكالى التي لم تجف بعد، وكأن المتاجرة بمعاناة اليتامى في اسواق الانانية اصبحت مهنة لمن لا مهنة له ولا كرامة تصونه.
والشعب الذي يرى بام عينيه كيف يساق وطنه الى المذبح بأيدي ثلة من المأجورين ثم يلوذ بالصمت المريب، يضع نفسه في خانة الشريك الكامل في هذه الجريمة النكراء، فالساكت عن الحق شيطان اخرس، والساكت عن الخيانة خائن بالضرورة وان تدثر بعباءة الحياد الزائف، فالخائن او المتلون الذي يغير جلوده كما تغير الحرباء جلودها يجب ان يواجه بموقف وطني صلب لا يلين ولا يقبل المساومة، لان السماح بمرور هذه الافعال الدنيئة دون حساب رادع سيحول الخيانة الى ثقافة شائعة والعمالة الى سلوك طبيعي في مجتمع يفقد بوصلته الاخلاقية، اذ ان فعل الخيانة ليس مجرد انحراف سياسي عارض بل هو جريمة كبرى تختزل في جوفها كل الجرائم الشنيعة التي لا تغتفر، فهي التي تذبح امة من الوريد الى الوريد وتدوس على كرامة الشعب وتمزق نسيج الوطن الجغرافي والاجتماعي، ولذلك نجد ان الشعوب الحرة التي تحترم تاريخها وتضحياتها لا تجد بدا من انزال حكم الاعدام الفوري والميداني بهؤلاء الذين يتآمرون على مستقبل ابنائها، فالتسامح مع الغدر هو انتحار جماعي ويمنح القاتل الرصاصة التي سيصوبها لصدور الشرفاء.
وبالنظر الى ما يشهده الجنوب اليوم، نجد ان الاقنعة قد سقطت تماما وباتت الوجوه الكالحة معروفة للقاصي والداني، فكل من يقف حجر عثرة امام ارادة الشعب الجنوبي التواق للحرية والاستقلال، وكل من يحاول الالتفاف على هذه الارادة الصلبة بمشاريع مشبوهة وتحت مسميات مضللة، هو خائن بامتياز ولا يستحق الا الاحتقار، اذ نرى البعض يدعو الى حوارات جنوبية مزعومة في وقت لا تستدعي الضرورة ذلك الا لهدف واحد وهو تمييع الاهداف الوطنية وتشتيت الجهود والالتفاف على التضحيات الجسام التي قدمها ابناء الجنوب في ميادين الشرف، فكيف يمكن لعاقل ان يتغاضى عن جرائم القتل والابادة التي ترتكبها القوى الاقليمية وعلى راسها السعودية بحق القوات المسلحة الجنوبية في المهرة وحضرموت، وهي الجرائم التي استهدفت اعادة انتاج قوى الاحتلال اليمني وتمكينها من الارض التي تحررت بدماء طاهرة، ثم نجد من يهرول الى الرياض تلبية لدعوات مشبوهة وكأن شيئا لم يحدث، ضاربين بتضحيات الارض والانسان عرض الحائط.
هؤلاء الذين يتبجحون اليوم بخيانتهم ويجاهرون بها امام الملأ، في تحدي سافر لارادة الشعب بأكمله ولا يقيمون وزنا لقدسية الشهداء، يجب ان يواجهوا بحزم حديدي لا يعرف الرحمة، فلا مكان بيننا لمن يبيع ويشتري في قضايا السيادة، والمطلوب اليوم هو التشهير بهؤلاء وذمهم في كل محفل ومحاكمتهم غيابيا اذا تعذر الاقتصاص منهم ميدانيا في الوقت الراهن، لان السكوت عنهم هو بمثابة الضوء الاخضر لاستمرار مسلسل النزيف والضياع، فالجنوب الذي قدم قوافل من الشهداء لن يسمح لمجموعة من المرتزقة ان تصادر مستقبله او تقايض على استقلاله في غرف المخابرات المظلمة، والكرامة الوطنية تقتضي ان نستأصل شأفة هؤلاء من جسد الشعب ليبقى الوطن طاهرا من دنس العمالة ومنزها عن بيع الذمم في مزادات النفوذ الاقليمي التي لا تريد للجنوب خيرا ولا لشعبه استقرارا.