تقارير



حل المجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض باعتباره إجراء من الخارج يفتقد للمشروعية المؤسسية والشعبية.."

الجمعة - 06 مارس 2026 - 01:03 ص

حل المجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض باعتباره إجراء من الخارج يفتقد للمشروعية المؤسسية والشعبية.."

صوت العاصمة / مركز سوث24| عبد الله الشادلي



تشهد مدن جنوب اليمن، وفي مقدمتها العاصمة عدن، تجمعات واحتجاجات شعبية متصاعدة مؤيدة للمجلس الانتقالي الجنوبي، وسط تحولات سياسية وأمنية متسارعة بدأت مع موجة التعبئة الجماهيرية التي شهدتها مناطق واسعة من الجنوب في ديسمبر الماضي، حين بدأت اعتصامات مفتوحة حضرها مئات الآلاف في عدن مطالبة رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي باتخاذ خطوات حاسمة نحو (إعلان دولة الجنوب العربي)، وتحقيق الاستقلال.

وتزامنت تلك الاعتصامات مع تحركات عسكرية نفذتها القوات المسلحة الجنوبية باتجاه حضرموت والمهرة، لطرد القوات الشمالية في المنطقة العسكرية الأولى بوادي حضرموت. وقد حققت عملية (المستقبل الواعد) هذا الهدف بالفعل وأمنت المحافظتين، لتصبح كل جغرافيا اليمن الجنوبي تقريبًا تحت سيطرة المجلس الانتقالي الجنوبي.

وهو واقع استمر طيلة ديسمبر، قبل أن يشهد تحولًا حادًا مطلع العام الجاري بعد تدخل عسكري سعودي جوي عبر مئات الضربات ضد القوات الجنوبية، مع دعم قوات شمالية على الأرض، ما أدى إلى انسحاب القوات الجنوبية من المحافظتين وأعاد خلط موازين القوى داخل المشهد الجنوبي.

وفي أعقاب ذلك، أُعلن من الرياض، في 9 يناير، عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي من قبل وفد وصل الرياض قبلها بيومين، وهو قرار قوبل برفض المجلس الانتقالي في الداخل وسخط واسع في الشارع الجنوبي. حيث اعتبره كثيرون محاولة لإنهاء الممثل السياسي الأبرز لقضية الجنوب داخل المعادلة السياسية القائمة.

في هذا السياق الملتهب، اندلعت الاحتجاجات مجددًا في عدن وعدد من مدن الجنوب تعبيرًا عن رفض هذا المسار السياسي. دعا المجلس الانتقالي الجنوبي عدة مرات لمليونيات (الثبات والتصعيد الشعبي)، وقد لبى مئات الآلاف من الجنوبيين بالفعل نداء رئيس المجلس عيدروس الزبيدي في 16 و23 يناير بحشود غير مسبوقة في تاريخ عدن. كما اندلعت الاحتجاجات على نطاق أوسع شمل سيئون والمكلا (حضرموت) والضالع وعتق (شبوة) والغيضة (المهرة)، حتى أرخبيل سقطرى.

العنوان الرئيسي لهذه الاحتجاجات والمظاهرات كان رفض حل المجلس الانتقالي الجنوبي من الرياض باعتباره إجراء من الخارج يفتقد للمشروعية المؤسسية والشعبية، وتجديد التفويض للمجلس برئاسة الزبيدي لتمثيل قضية الجنوب. شملت العناوين الأخرى رفض ما ترتب على المجلس من إجراءات وما تزامن معها، وفي مقدمتها تشكيل حكومة جديدة لا تحظى بقبول واسع في أوساط الجنوبيين بعد إقصاء المجلس الانتقالي منها، وشمولها على وزراء شماليين مرتبطين بالإخوان المسلمين مثل وزير الدفاع طاهر العقيلي.

كما ارتبطت هذه التحركات بجملة مطالب تتعلق بإعادة تثبيت حضور القوى الجنوبية في حضرموت والمهرة وطرد قوات الطوارئ الشمالية المدعومة من السعودية. وبينما مضت كثير من المظاهرات والوقفات الاحتجاجية بسلام، تمت مواجهة أخرى بقوة مميتة. بدأ القمع في 6 فبراير عندما أطلقت قوات عسكرية الرصاص الحي على المتظاهرين المؤيدين للمجلس الانتقالي في مدينة سيئون بوادي حضرموت فأصابت عددًا منهم واعتقلت آخرين.

وفي 11 فبراير، قتل 7 من المتظاهرين وأصيب 43 آخرون برصاص قوات الأمن في مدينة عتق بمحافظة شبوة في مظاهرة دعا لها المجلس الانتقالي في المحافظة. وفي 19 فبراير، قتل متظاهر وأصيب 20 آخرون برصاص قوات حماية قصر معاشيق، مقر الحكومة اليمنية في عدن أثناء تظاهرة دعت لخروج الوزراء الشماليين من المدينة.

وقد تزامنت إجراءات القمع ضد المتظاهرين مع إجراءات اعتبرها المجلس الانتقالي استهدافًا مباشرًا لوجوده السياسي في العاصمة عدن، شملت إغلاق مقرات وهيئات تابعة له في عدن من بينها الجمعية العمومية والأمانة العامة وهيئة الشؤون الخارجية، واعتقال القائم بأعمال رئاسة القيادة المحلية للمجلس في عدن محمد حسين جار الله قبل الإفراج عنه لاحقًا. ودعا المجلس الجماهير للاحتشاد في عدن يوم 27 فبراير لرفض هذه الممارسات، وهو ما تحقق مع حضور عشرات الآلاف من المتظاهرين.

وفي ظل تصاعد الاحتجاجات واستمرار الإجراءات الهادفة لتصفية وجود المجلس الانتقالي داخليًا، برزت تساؤلات أوسع حول طبيعة التحولات السياسية والأمنية التي يشهدها الجنوب، والسقف الذي يمكن أن تصل إليه هذه التحركات الشعبية في المرحلة المقبلة. بالإضافة لأسئلة ملحة حول برنامج المجلس الانتقالي القادم السياسي والجماهيري لمواجهة التحديات، خصوصًا مع المخاوف من تكرار الصدام بين الشارع الجنوبي وقوات أمنية وعسكرية جنوبية تنفذ أوامر القادة الجنوبيين المقربين من الرياض,

سقف الاحتجاجات وأهدافها

إذا كان السؤال الأكثر حضورًا في المشهد الجنوبي اليوم هو: ما الذي يسعى إليه المجلس الانتقالي من هذه الاحتجاجات؟ فإن الإجابة، وفق مواقف قياداته والقراءات التحليلية للمشهد، تتجاوز مجرد الرد على إجراءات أمنية أو قرارات سياسية محددة، لتتصل بإعادة تثبيت موقع المجلس وقضية الجنوب داخل المعادلة السياسية القائمة، وإظهار حجم التأييد الشعبي للمشروع الذي يتبناه المجلس.

في هذا السياق، يؤكد القائم بأعمال رئيس الهيئة السياسية للمجلس الانتقالي الجنوبي، شكري باعلي، أن التحركات الجماهيرية الجارية تمثل تعبيرًا سياسيًا واضحًا عن موقف الشارع الجنوبي.

وقال لمركز سوث24 إن “الحراك الجماهيري اليوم لا يقتصر على المطالب الخدمية، بل يجسد تعبيرًا واضحًا عن الإرادة الشعبية خلف المشروع الوطني الجنوبي”، مضيفًا أن المليونيات التي تشهدها مدن الجنوب تمثل “تصويتًا شعبيًا مفتوحًا وتجديدًا للتفويض”، ورسالة موجهة إلى الداخل والخارج بأن “أي تجاوز لإرادة شارع الجنوب لن يؤدي إلى حل عادل أو مستدام”.

وفي هذا الإطار، أشار باعلي إلى أن المجلس الانتقالي يتحرك عبر مسارات متوازية، داخليًا للحفاظ على وحدة الصف الجنوبي ومنع تفتيت المشروع السياسي، وخارجيًا عبر العمل على تدويل القضية الجنوبية والانفتاح على مسارات سياسية أوسع.

وفي المقابل، يربط باعلي بين هذه التحركات وبين موقف المجلس من الحكومة الجديدة، مشددًا على أن “عدم اعتراف المجلس الانتقالي سياسيًا بالحكومة الجديدة باعتبارها حكومة أمر واقع هو موقف صحيح وثابت”، موضحًا أنها “تمثل امتدادًا لوضع سابق، بعد أن جرى الانقلاب على الاتفاقات التي قامت عليها الشراكة، وفي مقدمتها اتفاق الرياض وما تبعه من ترتيبات نقل السلطة”.

ويضيف أن هذه الحكومة “تعيد إنتاج واقع ما بعد عام 1994، حيث فُرضت كأمر واقع دون اعتراف سياسي بالجنوب كشريك أساسي في المعادلة”، معتبرًا أنها وإن كانت “ملزمة بتقديم الخدمات والاضطلاع بمسؤولياتها تجاه المواطنين، فإن ذلك لا يعني أنها تعبّر سياسيًا عن تطلعات الجنوبيين أو عن مشروعهم الوطني”.

من زاوية تحليلية أخرى، يقرأ رئيس مركز المعرفة للدراسات د. عمر باجردانة هذه الاحتجاجات باعتبارها انعكاسًا مباشرًا للتوتر السياسي الذي تصاعد خلال الفترة الأخيرة بين المجلس الانتقالي وبعض مؤسسات السلطة. ويقول في حديثه لمركز سوث24 إن ما يجري يمثل “ردًا عمليًا على الإجراءات التي تعرض لها المجلس خلال الفترة الأخيرة”، بما في ذلك ما وصفه برواية احتجاز الوفد الجنوبي في الرياض وصدور قرارات “تحت التهديد”، وهو ما يفسر – برأيه – طبيعة التحركات في الداخل الجنوبي.

وأضاف باجردانة أن الشارع الجنوبي ينظر إلى المجلس الانتقالي باعتباره “حليفًا أساسيًا في مكافحة الإرهاب والمكون الوحيد الذي تصدى لميليشيا الحوثي بحزم خلال السنوات الماضية”، وهو ما يجعل أي إجراءات تُفهم على أنها استهداف له تتحول سريعًا إلى حالة غضب شعبي واسعة.

ويرى باجردانة أن المجلس قد يتمكن من تحقيق “عدد من المكاسب” إذا استطاع قراءة اللحظة السياسية بدقة واستثمار الزخم الشعبي بطريقة منظمة، لكنه يشدد في الوقت ذاته على ضرورة أن يقترن هذا الزخم بمراجعة سياسية داخلية، مشيرًا إلى أهمية “مراجعة أدائه السياسي، وإجراء إعادة هيكلة لأطره القيادية، ووضع خارطة طريق مختلفة عن الأساليب السابقة”.

السيناريوهات المحتملة

في ضوء تداخل العوامل السياسية والأمنية المحيطة بالاحتجاجات، تبدو المسارات المحتملة للتطورات في الجنوب مرتبطة بقدرة الأطراف المختلفة على إدارة التوتر القائم دون انزلاقه إلى مواجهة مفتوحة. فالمشهد الحالي يعكس حالة شد وجذب بين رغبة المجلس الانتقالي الجنوبي في توظيف الزخم الشعبي لتعزيز موقعه السياسي، وبين محاولات السلطة القائمة، التي تدور في الفلك السعودي، لضبط التوازنات الأمنية والسياسية داخل العاصمة عدن والجنوب.

أحد السيناريوهات المطروحة يتمثل في احتواء الاحتجاجات عبر تسويات سياسية قد تشمل إعادة النظر في بعض الترتيبات الأخيرة المدعومة من السعودية، وفتح قنوات تشاور أوسع مع الكتلة الصلبة المتماسكة في الداخل للمجلس الانتقالي، بما يسمح بامتصاص حالة الاحتقان الشعبي قبل تفاقمها وخروجها حتى عن سيطرة المجلس الانتقالي نفسه.

في المقابل، يبقى احتمال استمرار حالة التوتر المتصاعد، خصوصاً إذا استمرت الإجراءات الأمنية مثل الاعتقالات وحملات المداهمة، التي قد تُفسَّر في الشارع الجنوبي بوصفها استهدافاً سياسياً للمجلس الانتقالي وأنصاره واستكمالًا لمخطط تفكيكه. وفي هذا السياق، كان متحدث المجلس الانتقالي أنور التميمي قد أشار في بيان له بتاريخ 21 فبراير إلى أن هذه الإجراءات تعكس سياسة تضييق تستهدف الحراك السياسي الجنوبي، وهو ما قد يسهم في إبقاء حالة الاحتقان الشعبي قائمة لفترة أطول.

وفي المحصلة، تبدو الاحتجاجات الشعبية في الجنوب جزءًا من معادلة سياسية أوسع تتعلق بتعريف الشراكة داخل السلطة وحدود الشرعية في الجنوب. فضًلا عن موقع المجلس الانتقالي الجنوبي داخل هذه المعادلة التي تغطيها طبقة إقليمية من الخلافات السعودية الإماراتية التي أصبحت مؤخرًا واضحة بشكل لا يمكن إنكاره.

ومع ذلك، فإن مآلات هذه الاحتجاجات ستظل مرهونة بقدرة المجلس الانتقالي على الموازنة بين التعبئة الشعبية والواقعية السياسية، وكذلك بمدى استعداد الأطراف الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها السعودية، لمعالجة الأحداث خلال الفترة الماضية، ومن بينها القصف الجوي الذي خلف عشرات الضحايا من الجنود والمدنيين، وبناء مسار واضح مضمون لقضية الجنوب يسهم في تهدئة الشارع الجنوبي، وهو ما لا يحققه حتى الآن – كما يبدو - برنامج الحوار الجنوبي غامض الملامح الذي يجري الترتيب له في الرياض.

وبينما يبقى الشارع الجنوبي في حالة غليان نسبي، فإن الإجابة النهائية عن سؤال السقف والأهداف لن تتضح إلا بقدر ما ستكشفه الأسابيع المقبلة من اختبارات سياسية وشعبية، وربما أمنية وعسكرية، قد تعيد رسم المشهد مرة أخرى.




الأكثر زيارة


إنزال أمريكي وغارات إيرانية وانقطاع للكهرباء.. ماذا يحدث في .

الخميس/05/مارس/2026 - 12:44 ص

بدأت تداعيات الحرب الإقليمية المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى تتسلل إلى الساحة العراقية، مع تواتر تقارير عن تحركات عس


اغ.تيال تاجر بارز في الحوبان شرقي تعز.

الخميس/05/مارس/2026 - 05:05 م

قُتل تاجر بارز، فجر اليوم الخميس، برصاص مسلح في منطقة الحوبان الخاضعة لسيطرة مليشيا الحوثي شرق مدينة تعز، جنوب غربي اليمن، في حادثة أثارت حالة من الاس


الأمانة العامة تؤكد أن الصمود والثبات على الأرض خيار ثابت لل.

الخميس/05/مارس/2026 - 05:50 م

واصلت قيادة وكوادر الأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي، لليوم الثاني عشر على التوالي، تنظيم وقفتها الاحتجاجية أمام مبناها في العاصمة ع


عاجل : تحت غطاء التجنيد..السعودية تسقط حضرموت بيد الحو.ثيين.

الخميس/05/مارس/2026 - 01:10 ص

كشفت مصادر مقربة من فرقة الطوارى اليمنية عن توافد المئات من ابناء الشمال الى حضرموت تلبية لدعوة الفرقة للتجنيد واكدت المصادر بأن العناصر المتوافدة إلى