الجنوب على مفترق طريق بين فجر الاستقلال واحتمال احتلال جديد
السبت - 07 مارس 2026 - 12:08 ص
صوت العاصمة/ متابعات
لم يكن الثالث من ديسمبر 2025 يوماً عادياً في ذاكرة الجنوبيين. ففي ذلك اليوم أعلنت القوات المسلحة الجنوبية بسط سيطرتها على كامل تراب الجنوب، في حدث رآه كثيرون تتويجاً لمسار طويل من الصراع السياسي والعسكري الذي بدأ منذ حرب صيف 1994، حين انهار مشروع الوحدة الطوعية ودخل الجنوب مرحلة معقدة من الصدامات والتجاذبات بين مشروعين متناقضين: مشروع يقدّس الوحدة باعتبارها قدراً سياسياً لا يجوز المساس به، ومشروع آخر يرى أن ما جرى بعد تلك الحرب لم يكن سوى إلغاء لإرادة شعب وفرض واقع بالقوة، انتهى بتحويل الجنوب إلى ساحة صراع على السلطة والثروة والهوية.
انتشر الخبر يومها في مدن الجنوب وقراه كشرارة أمل طال انتظارها. من جبال سناح في الضالع إلى صحارى المهرة البعيدة، بدا المشهد وكأنه لحظة تاريخية يستعيد فيها الجنوبيون شيئاً من ثقتهم بأنفسهم وبقدرتهم على الإمساك بقرارهم السياسي والعسكري. الشوارع امتلأت بمظاهر الفرح، والأحاديث في المجالس والأسواق كانت تدور حول سؤال واحد: هل اقتربت فعلاً لحظة استعادة الدولة؟
لكن التاريخ في هذه المنطقة نادراً ما يسمح للحظات النشوة بأن تعيش طويلاً. فبعد أسابيع قليلة فقط بدأت مؤشرات التصعيد تعود إلى الواجهة، ولكن هذه المرة في سياق أكثر تعقيداً وتشابكاً، حيث لم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحوّل إلى شبكة من الحسابات الإقليمية والدولية التي تتقاطع فيها مصالح متعددة وتعيد رسم خريطة النفوذ في اليمن والجنوب على حد سواء.
في خضم هذه التحولات برزت ملامح تحالف غير مباشر بين القوى اليمنية المتصارعة—الحوثية والشرعية—في سياق تفاهمات سياسية وأمنية ترعاها السعودية، وهو ما يراه كثير من الجنوبيين محاولة لإعادة ترتيب المشهد بطريقة تعيد تثبيت النفوذ اليمني في الجنوب ولو بصيغ مختلفة. فالتقارب السياسي بين أطراف الحرب اليمنية لم يأتِ فقط لإنهاء النزاع، بل يحمل في طياته أيضاً ترتيبات تتعلق بتقاسم النفوذ والسيطرة على الجغرافيا والثروات.
ومع اتساع هذا المشهد ظهرت تحركات عسكرية في مناطق استراتيجية من حضرموت، رافقتها حوادث دامية زادت من حدة التوتر في الشارع الجنوبي. هذه الأحداث لم تُفسَّر محلياً باعتبارها مجرد عمليات أمنية أو انتشار عسكري عابر، بل جرى النظر إليها كجزء من صراع أكبر على الموارد وعلى النفوذ السياسي في واحدة من أغنى مناطق مناطق الجنوب بالنفط والغاز.
القراءة الجنوبية لهذه التطورات ترى أن ما يحدث ليس مجرد تنافس عسكري، بل سباق مبكر على الثروة قبل حسم شكل التسوية السياسية النهائية. فالمناطق الشرقية من الجنوب تمثل عقدة جغرافية واقتصادية بالغة الأهمية، والسيطرة عليها تعني امتلاك مفاتيح الطاقة والنفوذ في أي ترتيبات مستقبلية.
لكن المشهد لا يتوقف عند حدود الداخل فالتغيرات في الدور الإقليمي لعبت دوراً محورياً في إعادة تشكيل موازين القوى. انسحاب الإمارات التدريجي من بعض الملفات، مقابل انفراد السعودية بإدارة ملف الشمال والجنوب في كثير من مراحله، خلق فراغاً سياسياً وعسكرياً أعاد فتح الباب أمام تحالفات جديدة وتفاهمات غير معلنة بين أطراف كانت حتى وقت قريب في حالة مواجهة مباشرة.
هذه التحولات جعلت الجنوب يقف أمام معادلة معقدة: من جهة هناك واقع عسكري جديد تشكّل بعد سيطرة القوات الجنوبية على الأرض، ومن جهة أخرى هناك مسار سياسي دولي يسعى إلى إنهاء الحرب اليمنية عبر تسوية شاملة قد لا تأخذ بالضرورة في الاعتبار تطلعات الجنوبيين في تقرير مصيرهم أو إعادة دولتهم.
وتبدو الضغوط الدولية اليوم مركزة على إنهاء الحرب بأي صيغة ممكنة، حتى لو جاء ذلك عبر حلول وسط تُبقي على بنية الدولة اليمنية بشكلها الحالي أو المعدل. غير أن مثل هذه المقاربات تثير مخاوف في الجنوب من أن تتحول التسوية إلى عملية إعادة إنتاج للأزمة نفسها التي بدأت قبل عقود.
في الشارع الجنوبي تتصاعد دعوات الاصطفاف الداخلي وتوحيد الموقف السياسي، باعتبار أن المرحلة المقبلة قد تكون الأخطر منذ سنوات. فالكثيرون يرون أن الجنوب اليوم ليس كما كان في عام 1994، سواء من حيث الوعي الشعبي أو من حيث التوازنات العسكرية والسياسية التي نشأت خلال سنوات الحرب الأخيرة.
ومع ذلك، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات متعددة. فقد تكون هذه اللحظة بداية مسار سياسي جديد يعترف بالجنوب كطرف رئيسي في أي تسوية قادمة ويمنحه حق تقرير مستقبله ضمن ترتيبات عادلة ومتفق عليها. وقد تكون في المقابل مقدمة لصراع نفوذ جديد تتداخل فيه المصالح الإقليمية والدولية، وتتحول فيه الثروة والجغرافيا إلى ساحة مواجهة غير معلنة.
وبين هذين الاحتمالين يقف الجنوب اليوم عند مفترق طرق تاريخي.
فإما أن تتحول اللحظةإلى مشروع سياسي مكتمل يقود إلى الاستقلال، أو أن تتشابك خيوط الصراع من جديد لتدخل المنطقة في مرحلة أخرى من التنافس على الأرض والثروة والهوية.
وهكذا يبقى السؤال الذي يتردد في المجالس والشارع وعلى منصات الإعلام: هل كانت بداية فجر جديد لدولة جنوبية تستعيد مكانها، أم أنها مجرد محطة في صراع أطول لم تُكتب فصوله الأخيرة بعد؟