خارج حدود التفويض الدولي: تغييب عيدروس الزبيدي ومأزق الأخلاق السياسية.
السبت - 07 مارس 2026 - 12:13 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
ما تزال جبلة الحق في جوهر الفطرة الإنسانية وبناء الوجود القومي صخرة صلبة عاتية تتكسر عليها أمواج الباطل مهما علا طوفان القوة المادية، والسياسة في معناها الأصيل ومنزعها النبيل لا تنفصل عن الأخلاق إلا حين تستحيل أداة للبطش وتغدو مطية للأهواء التي لا تعرف قانونا ولا تقيم وزنا لمواثيق وارادات الشعوب، فما بالنا اليوم نرى موازين القسط قد اختلت في يد من كنا نحسبهم حماة الديار وسدنة الجوار، فإذا بهم يوجهون سهامهم نحو صدور من أخلصوا لهم الود وبذلوا في سبيل نصرتهم الدماء والأرواح في خنادق الشرف، فبالله أخبرونا أي مسوغ قانوني يستقيم مع نصوص الشرائع، أو أي وازع أخلاقي يرتضيه ضمير حي، أو أي ضرورة سياسية أو دولية تمنح المملكة العربية السعودية حق مطاردة رجل في مقام عيدروس الزبيدي واستهدافه وتغييبه عن المشهد، وهو الذي لم يكن يوما إلا صوتا صادقا لشعبه ويدا تبني ما هدمته صروف الدهر ونوائب الحروب.
ولو أننا أجهدنا قرائحنا في البحث المضني واستفرغنا الوسع في التقصي المتواصل لنقع على عذر واحد يبرر للمملكة قيامها بقصف القوات المسلحة الجنوبية بعد أن قامت بملحمة تحرير حضرموت والمهرة من بقايا الاحتلال اليمني وتحييد خطره، لربما أمكننا بعد مشقة الاعتصار الذهني أن نصل إلى مبرر ما، ولو كان واهيا أو تافها أو غير معقول، نفسر به من وجهة نظر المملكة وحدها وبما تراه من حسابات نفوذها ذلك الهجوم الغادر على القوات المسلحة الحنوبية، غير أن الذي يقف العقل دونه حائرا والمنطق من غيره كسيراً، هو أننا مهما بحثنا في ركام الوقائع واستنطقنا الأسباب والتفسيرات، فلن نجد أبدا عذرا واحدا ولا سببا تافها ولا مبررا غير منطقي يفسر قيام حكومة المملكة بملاحقة عيدروس الزبيدي بذاته واستهدافه وقصف منزله في الضالع والتربص له الدوائر لقتله، بعد أن فرغت من استهداف القوات الجنوبية في المهرة وحضرموت وتحييدها، فبأي حجة إذن تتمادى السعودية لتجعل من هذا القائد هدفا عسكريا مطلوبا للقتل لديها، وكيف يستقيم في عرف الدول أن تلاحق رمزا سياسيا وقائدا أعلى للقوات المسلحة بعد أن بسطت نفوذها العسكري على الميدان، فهذا الإصرار على شخصنة الصراع واستهداف القائد ليس من الهنات التي تمرر في عتمة الليل، بل هو فعل جسيم يحتاج ابتداء إلى مسوغ قانوني صريح من مجلس الأمن والأمم المتحدة، وقبل ذلك كله يحتاج إلى إجماع شعبي ووطني من الداخل الذي يمثله هذا الرجل.
خصوصا وأن عيدروس الزبيدي حين وجه القوات المسلحة الجنوبية بتحرير المهرة وسيؤن لم يأتي فعلا منكرا ولا شيئا مخالفا لاختصاصاته الوطنية الجنوبية التي فوضه بها الشعب في يوم مسهود تعرفه السعودية جيدا وتقر به الوقائع، بل إنه لم يقم بعمل يناهض أهداف ومهام التحالف العربي التي جاء من أجلها، وإنما الحقيقة التي يغفلها البعض هي أن تواجد القوات اليمنية في تلك المناطق هو الذي يخالف جوهر أهداف ومهام التحالف العربي الموكلة إليه بموجب قرارات مجلس الأمن، كما أن قيام رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية بتحرير تلك الربوع الحنوبية الغالية من قوات الاحتلال اليمني لم يكن في حقيقته مخالفا لاتفاق الرياض الذي رعته المملكة بنفسها قبل سنوات، بل كان تنفيذا أمينا وحرفيا لبنوده التي نصت صراحة على إخراج القوات اليمنية من هذه المناطق وتوجيهها نحو جبهات تحرير صنعاء، وهو الأمر الذي نكلت عنه الشرعية ولم تنفذه، فجاء الفعل الجنوبي مصححا للمسار واستجابة لتلك المليونيات الجماهيرية الصاخبة التي شهدتها سيؤن خلال الفترة السابقة، والتي بحت فيها الأصوات المطالبة بإخراج الغرباء وتطهير الأرض منهم، فكان هذا العدوان السعودي على القوات الجنوبية ثم ملاحقة الزبيدي طعنة في خاصرة الإرادة الشعبية.
فبأي منطق إذن تستهدف المملكة عيدروس الزبيدي، وما هي الجريمة النكراء التي ارتكبها حين قام بتحرير الأرض التي يمثلها شرعا وعرفا من التواجد العسكري اليمني الجاثم عليها، وكيف يطيب للمجتمع الدولي أن يسكت عن هذه الأعمال غير القانونية والممارسات التي تفتقر للشرعية ضد الزبيدي بشكل خاص والجنوب بشكل عام، ولماذا يغمض مجلس الأمن عينيه ويسمح للمملكة بهذه الانتهاكات ضد إرادة شعب يعلم هذا المجلس تمام العلم أنه يسعى لاستقلاله واستعادة دولته وهو الحق الأصيل الذي تكفله القوانين الدولية للشعوب كافة دون تمييز، فهذا الصمت المريب ليضع مصداقية النظام الدولي في مهب الريح، إذ كيف يترك الحبل على الغارب لدولة تدخلت في الأصل لمهمة محددة وهي تحرير صنعاء واستعادة الشرعية اليمنية والتخلص من الانقلاب الحوثي، ولا يمنحها ذلك التفويض أي حق في أن تتدخل في شؤون أخرى خارج المهام الموكلة إليها، أو أن تنصب نفسها خصما لمن يحرر أرضه، وهنا يطرح السؤال الوجودي: لماذا لا يتحرك عيدروس الزبيدي لطلب التدخل الدولي العاجل لحماية شعبه وإيقاف المملكة عند حدها ومعاقبتها على هذه التصرفات الطاىشة التي خرجت عن سياق العقل والمنطق، فالحق لا يحمي نفسه إلا بالحركة، والظلم لا ينتهي إلا حين يواجه بقوة القانون وإرادة الأحرار التي لا تنكسر أمام طغيان القوة مهما تجبرت.