لماذا تغرّد إسبانيا وحيدة خارج السرب الأوروبي في معارضة حرب إيران؟
السبت - 07 مارس 2026 - 12:45 ص
صوت العاصمة : (أ ف ب)
في وقتٍ قال فيه معظم القادة الأوروبيين "نعم" أو اختاروا الصمت عقب الضربات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، برز موقف أوروبي مختلف تمامًا. فقد كانت إسبانيا الدولة الوحيدة التي واجهت علنًا الرئيس الأمريكي Donald Trump برفض صريح.
هذا الموقف عبّر عنه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز خلال واحدة من أعقد الأزمات الدولية، ففي قارة يغلب عليها الحذر الدبلوماسي والتحفظ السياسي، اختارت مدريد طريق المواجهة المباشرة مع واشنطن، مع إدراكها لاحتمال دفع ثمن سياسي واقتصادي لذلك. فما الذي يفسّر هذا التمايز الإسباني؟
أربع "لاءات" في وجه ترامب
لم تكتفِ إسبانيا برفض السماح للطائرات العسكرية الأمريكية المتجهة إلى إيران باستخدام مطاراتها العسكرية للتزود بالوقود، بل ذهبت أبعد من ذلك بكثير.
وأطلق رئيس الحكومة بيدرو سانشيز خطابًا لافتًا أعلن فيه 4 "لاءات" متتالية وهي "لا" للحرب، و"لا" لانهيار القانون الدولي، و"لا" لفكرة أن العالم لا يستطيع حل مشكلاته إلا بالقنابل، و"لا لتكرار أخطاء الماضي"، والجملة الأخيرة كانت إشارة صريحة إلى حرب العراق 2003، ولم يُخطئها أحد.
وبحسب "راديو فرانس" ردّ ترامب بعنف، مهددًا بقطع العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة وإسبانيا، بل ذهب أبعد في جلسته مع المستشار الألماني فريدريش ميرتس، مؤكدًا أن الولايات المتحدة تستطيع استخدام القواعد العسكرية الإسبانية "بإذن مدريد أو دونه".
في مشهد وصفه الإسبانيون بالصادم، لم يدافع ميرتس عن إسبانيا في مواجهة هذا التهديد، بل انتقدها بدوره أمام ترامب، وسارعت مدريد إلى إبلاغ برلين باستيائها الرسمي.
جذور تاريخية.. العراق لم يُنسَ
لفهم الموقف الإسباني، لا بد من العودة إلى عام 2003، وآنذاك، دعمت إسبانيا المحافظة بقيادة خوسيه ماريا أثنار الحرب على العراق رغم معارضة شعبية واسعة.
وبعد أقل من عام، وفي أعقاب تفجيرات مدريد الدموية في مارس 2004، جاءت الاشتراكيون إلى السلطة وسحبوا القوات الإسبانية فورًا من العراق، ملتحقين بفرنسا وألمانيا في رفضهما للحرب.
رئيس الحكومة آنذاك خوسيه لويس رودريغيز ثاباتيرو، ووزير خارجيته ميغيل أنخيل موراتينوس، هما اليوم من أقرب المقربين لسانشيز. وهذا ما يمنح الموقف الإسباني الراهن طابعه الخاص، فهو ليس انتهازية سياسية عابرة، بل استمرارية تاريخية متجذّرة في ذاكرة الحزب الاشتراكي وتجربته المريرة مع التدخلية العسكرية.
حسابات داخلية لا تخفى على أحد
لكن الصورة ليست مثالية تمامًا، فالتفسير الثاني للموقف الإسباني أكثر براغماتية، فالحزب الاشتراكي (PSOE) يمرّ بمرحلة صعبة، ويتراجع في استطلاعات الرأي، وتلاحقه سلسلة من الفضائح.
ومعارضة الحزب للحرب الأمريكية-الإسرائيلية تمنحه فرصة ذهبية لإعادة تعبئة قواعده اليسارية، وإيجاد خط فاصل واضح أمام حزب فوكس اليميني المتطرف الصاعد والمتعاطف مع ترامب.
لكن حتى لو كانت الحسابات الانتخابية حاضرة، فهذا لا ينفي أن المبدأ حاضر أيضًا، فالموقف الإسباني يمتلك سلسلة منطقية متماسكة، فمدريد اعترفت بدولة فلسطين قبل فرنسا بعام كامل، ورفضت الانصياع للضغط الأمريكي على زيادة الإنفاق العسكري إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يعترف الجميع سرًا بأنه رقم مبالغ فيه، ثم جاء رفض حرب إيران امتدادًا طبيعيًا لهذا الخط.
أوروبا.. خمسون درجة من الحذر
على الصعيد الأوروبي، يصف المحللون المشهد بأنه "خمسون درجة من الحذر" ففرنسا تتحدث عن الدبلوماسية وتُرسل حاملة طائرات.
أما ألمانيا تُعلن قلقها وتتفادى أي مواجهة. وباقي الدول تُطالع الأحداث بصمت مريب، وكان يوم الثلاثاء يومًا بالغ الوحدة لمدريد، حين وجدت نفسها تواجه غضب ترامب دون أن ينبري أحد للدفاع عنها.
وتطرح هذه الصورة سؤالًا لا يمكن تجاهله: إذا كانت إسبانيا على خطأ، فلماذا يتفادى الجميع قول ذلك صراحة؟ وإذا كانت على صواب، فلماذا لا يجرؤ أحد على الانضمام إليها؟