مقرات "الانتقالي" الموصدة: حين يغيب زئير الشعب وتحضر طوابير المهانة أمام المحتل
الجمعة - 13 مارس 2026 - 12:22 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
تأملت طويلا في هذا المشهد الغريب الذي تزدحم فيه التناقضات حتى لتكاد تخنق المنطق، ورأيت كيف تلتوي الحقائق حين تصبح الارادة رهينة في يد الحسابات الضيقة، فما جرى في التواهي مع نهاية يناير لم يكن مجرد غلق لابواب يفترض ان تظل مفتوحة، بل كان اختبارا كاشفا لمعادن الرجال وقدرة القيادة على استلهام روح الشارع الذي لم يخذلها يوما.
فسلطات الاحتلال التي تعبث بمقدرات الجنوب وتحاول جاهدة فرض وصايتها عبر ادوات عسكرية جنوبية للاسف، مدعومة بقوى اقليمية واضحة للعيان، توهمت انها بغلق بوابة مجلس العموم فانها تستطيع كسر هيبة القضية، فجاء الرد الاول صاعقا ومدويا حين هبت الجماهير كالاعصار تلبى النداء، ولم تنتظر اذنا من احد لتمارس حقها في استعادة دارها، ففتحت المقر بصدور عارية وعزيمة لا تلين، وكان ذلك الدرس كافيا ليعلم القاصي والداني ان الشعب هو مصدر السلطات وهو الحارس الامين لكل شبر من تراب هذا الوطن.
والغريب في الامر، والادهى والامر من الفعل نفسه، هو ما حدث بعد اسبوعين فقط من تلك الملحمة الشعبية، حين عادت تلك السلطات لتمارس نفس الغطرسة وتغلق مقر مجلس العموم والامانة العامة للمجلس الانتقالي مرة اخرى، وهنا سكت الكلام وضاعت الحروف، اذ وجدنا القيادات التي يفترض بها ان تكون لسان حال الشعب وسيفه القاطع، تنكفئ على نفسها وتدير ظهرها لتلك الجماهير المتأهبة والمستعدة لاقتحام المستحيل، وبدلا من ان يفتحوا الابواب بالارادة الشعبية الكاسحة، اختاروا الوقوف في طوابير الذل اليومية امام البوابات الموصدة، يمارسون وقفات احتجاجية باهتة تشبه استجداء الغريق من قاتله، وكأنهم يطلبون من اللص ان يعيد ما سرق بكلمات معسولة واهنة.
وهذا المشهد السريالي يطرح تساؤلات موجعة تدمي القلوب، فهل اصبح النضال مجرد وقفة لالتقاط الصور امام البوابات المغلقة.. وهل تحولت الثورة الى توسل واستجداء لمن لا يرقب فينا الا ولا ذمة.. فالاصرار على هذا النهج الضعيف يمنح الاحتلال شرعية لا يحلم بها، ويمنح ادواته العسكرية شعورا بالنشوة والانتصار، لانها ترى الخصم يطلب منها الاذن في ممارسة حقه الطبيعي، وهذا لعمري هو قمة الهوان، اذ كيف يستقيم ان تترك الجماهير التي فتحت المقر اول مرة وهي قادرة على فتحه الف مرة، ثم تذهب لتشكو للظالم ظلمة وتستجديه الرضا.
والواقع ان هناك رائحة تنسيق مسبق تزكم الانوف، واتفاقات خلف الستار جعلت هذه القيادات تروض غضب الشارع وتكتفي بتمثيليات احتجاجية لا تسمن ولا تغني من جوع، فالسلطات التي تجرأت على الاغلاق مرة ثانية لم تفعل ذلك الا لانها امنت جانب الرد الشعبي، وعلمت ان القيادة ستتكفل باحتواء الغضب وتحويله الى مجرد وقفات ادارية خجولة لا تهز شعرة في رأس المحتل، وهذا المسلك ليس من الثورة في شيء، بل هو تنصل واضح من الالتزام الوطني تجاه شعب بذل الغالي والنفيس ولم يبخل يوما بدمه او عرق جبينه.
فلماذا يخشى المجلس الانتقالي خيار الشعب.. ولماذا يفضل قياديوه الانحناء للعاصفة بدلا من ركوبها للوصول الى شاطئ الكرامة..فالاعتراف بسلطة الامر الواقع عبر ممارسات الذل هذه هو طعنة في خاصرة التضحيات الجسيمة، فالشارع الجنوبي ما زال حيا، وما زال نبضه يهتف بالحرية، وما زال مستعدا لفتح كل المقرات وتطهيرها من دنس التبعية، لكنه ينتظر قيادة تؤمن به لا قيادة تخاف من قوته، وينتظر افعالا تليق بعظمة القضية لا حركات استعراضية امام بوابات مغلقة تكرس وجود الاحتلال وتمنحه الشرعية والاعتراف.
فالتاريخ لا يرحم الضعفاء، ولا يكتب صفحاته بمداد الاستجداء، بل يكتبها بوقع الخطى الواثقة التي لا تعرف التراجع، ومن يظن ان الحقوق تسترد بالوقوف امام البوابات فهو واهم، فالحق يؤخذ غلابة، والجماهير التي كانت ولا تزال في اتم الجاهزية لعمل المستحيل في سبيل الجنوب وكرامته هي الرهان الوحيد الرابح، فكفوا عن هذا الهوان، وافتحوا الابواب بارادة الشعب، او اتركوها لمن يستحق شرف الدفاع عنها، فالجنوب اكبر من كل الحسابات، والوطن لا يباع في سوق المساومات السياسية الرخيصة التي تشرعن وجود من جاء لهدم بنياننا وطمس هويتنا.
أفلا ترون معي ان هذه الازدواجية في التعامل مع الازمات لا تخدم الا خصوم القضية. وهل يعقل ان يظل الشعب حبيس الانتظار بينما قياداته تمارس رياضة الوقوف السلبي والاستجداء المذل امام ابواب مقرها...فالمسألة تتجاوز مجرد مبنى وغرفة ومكتب، لتصبح قضية كرامة وطنية تمتهن على مرأى ومسمع من الجميع، والسكوت عن هذا العبث هو مشاركة فيه، فهل من مدكر.. وهل من عودة الى حضن الجماهير قبل ان يفوت الاوان ويغلق التاريخ ابوابه في وجوه من اضاعوا الفرص وتواروا خلف انصاف الحلول..
ولو كنت مكان هؤلاء، لما تركت الشارع يغلي دون توجيه، ولما سمحت لآلة القمع ان تبتسم وهي ترى قادة النضال يطلبون منها "الفضل" في الدخول الى مكاتبهم، فالحرية لا تقبل القسمة على اثنين، والسيادة لا تمارس بالوكالة او بالاستئذان، والشارع الذي فتح المقر اول مرة هو نفسه الشارع الذي سيحرر الارض، شريطة ان يجد من يتقدم الصفوف بصدق لا من يتوارى خلف الوقفات الاحتجاجية التي لا تليق بتاريخنا العريق.