تقارير



هل يسمع العالم صرخة الجنوب؟

الجمعة - 13 مارس 2026 - 12:30 ص

هل يسمع العالم صرخة الجنوب؟

صوت العاصمة/ عدن


على امتداد سنوات طويلة ظل الجنوب يعيش حالة من الحراك الشعبي المتواصل، حراك لم يكن في جوهره سوى تعبير عن رغبة عميقة لدى قطاعات واسعة من أبنائه في استعادة قرارهم السياسي وتحديد مستقبلهم بأيديهم. خرج الناس إلى الساحات في المدن والقرى، ورفعوا الأعلام ورددوا الشعارات ونظموا الفعاليات الجماهيرية، في صورة تعكس إصرار مجتمع كامل على إيصال صوته إلى العالم. كان المشهد في كثير من الأحيان بسيطًا في شكله لكنه عميق في معناه؛ شعب يشعر أن قضيته عادلة، وأن من حقه أن يحدد مصيره بعيدًا عن أي وصاية أو هيمنة خارج إرادته.
ورغم اتساع هذا الحراك الشعبي واستمراره لسنوات، ظل المجتمع الدولي يتعامل معه بقدر كبير من التجاهل أو الصمت السياسي. ففي الوقت الذي تتحرك فيه القوى الدولية سريعًا عندما تندلع الأزمات الكبرى في مناطق مختلفة من العالم، تبدو قضية الجنوب وكأنها خارج دائرة الاهتمام الحقيقي، وكأن صوت مئات الآلاف بل الملايين من الناس الذين يخرجون للتعبير عن مطالبهم لا يصل إلى آذان صناع القرار في العواصم الكبرى.
هذا التجاهل خلق شعورًا متزايدًا بالإحباط لدى كثير من أبناء الجنوب الذين يرون أن نضالهم السلمي لم يحظَ بالإنصات الذي يستحقه. فالحراك الذي بدأ قبل سنوات طويلة اعتمد في معظمه على الوسائل المدنية، من مظاهرات سلمية وفعاليات سياسية وخطاب إعلامي يطالب بالاعتراف بحق شعب الجنوب في تقرير مصيره. كانت الرسالة واضحة: نحن شعب يريد أن يقرر مستقبله بنفسه، وأن يستعيد قراره السياسي وأن يدير أرضه وثرواته وفق إرادته الوطنية.
وفي خضم هذا المسار الطويل من النضال الشعبي، ظهرت لدى الجنوبيين قناعة راسخة بأن قضيتهم ليست مجرد موقف سياسي عابر، بل هي قضية هوية وكرامة وحق تاريخي. فالأجيال التي عاشت تحولات العقود الماضية ما تزال تحتفظ بذاكرة سياسية قوية، وتستحضر باستمرار فكرة الدولة والقرار المستقل بوصفها جزءًا من تاريخ الجنوب الحديث. لذلك فإن المطالبة باستعادة القرار ليست بالنسبة لكثيرين مجرد شعار سياسي، بل تعبير عن شعور عميق بالانتماء إلى كيان سياسي يرى أبناؤه أنه تعرض للتهميش والإقصاء.
ومع مرور الوقت، بدأت أصوات في الشارع الجنوبي تحذر من أن استمرار تجاهل هذه القضية قد يدفع الأمور إلى مسارات أكثر تعقيدًا. فالتاريخ السياسي في مناطق عديدة من العالم يبين أن الحركات الشعبية التي لا تجد طريقها إلى الحلول السياسية قد تتحول تدريجيًا إلى أشكال أخرى من المقاومة. ولهذا يرى كثير من الجنوبيين أن مسؤولية المجتمع الدولي لا تقتصر على مراقبة الأحداث من بعيد، بل تشمل أيضًا الإنصات إلى صوت الشعوب قبل أن تصل الأزمات إلى مراحل يصعب احتواؤها.
ومع ذلك، فإن ما يميز نضال شعب الجنوب حتى اليوم هو قدرته اللافتة على الصبر والاستمرار. فرغم الصعوبات الاقتصادية والظروف الأمنية المعقدة، ما تزال الفعاليات الشعبية تتكرر في الساحات، وما يزال الخطاب الجنوبي يركز على فكرة النضال الطويل الذي يعتمد على إرادة المجتمع وعلى إيمانه بعدالة قضيته. هذه القدرة على الاستمرار تحولت إلى مصدر فخر لدى كثير من الجنوبيين الذين يرون في صمود مجتمعهم دليلًا على عمق القضية التي يحملونها.
وفي كل مرة تعود فيها الحشود إلى الساحات، يظهر بوضوح أن قضية الجنوب لم تعد مجرد ملف سياسي، بل أصبحت جزءًا من الوعي الجمعي لمجتمع كامل. فالناس الذين يرفعون الشعارات لا يفعلون ذلك فقط بدافع الغضب أو الاحتجاج، بل بدافع الإيمان بأن لهم حقًا في مستقبل مختلف، مستقبل يقوم على استعادة القرار السياسي وبناء كيان يعبر عن إرادتهم الحرة.
وهكذا يستمر الجنوب في كتابة فصل جديد من فصول نضاله الطويل، فصل عنوانه الإصرار الشعبي على أن يكون الصوت مسموعًا مهما طال الصمت الدولي. وبين حشود الساحات وأصوات الشعارات، يظل الأمل حاضرًا في وجدان الجنوبيين بأن يأتي يوم ينظر فيه العالم بجدية إلى قضيتهم، ويعترف بأن خلف هذا الحراك شعبًا يناضل من أجل حق يعتبره من أبسط حقوق الشعوب: أن يختار طريقه وأن يستعيد قراره وأن يكتب مستقبله بيده.



الأكثر زيارة


اعتذار وتصويب صحفي يخص محكمة الشعيب بسبب منشور سابق.

الخميس/12/مارس/2026 - 04:32 ص

قدم الإعلامي مشتاق الجعفري اعتذاره الرسمي لرئاسة وأعضاء وكوادر محكمة الشعيب الابتدائية، جراء ما تضمنه منشور سابق له نُشر في صحيفة "صوت العاصمة"، ضد ال


الصومعة تستضيف أول الأمسيات الرمضانية لقرى سهم النجدي بالشع.

الخميس/12/مارس/2026 - 01:01 ص

في ليلة رمضانية مميزة، انطلق السهم بأول أمسياته من الصومعة مهنان عراعر بالشعيب، محملاً بروح الألفة والمحبة التي تجمع أبناء السهم في وحدة واحدة. وسط حض


باعلي: المليونيات حسمت شرعية القيادة الجنوبية وخطاب "الارتها.

الخميس/12/مارس/2026 - 11:51 م

شنّ الأستاذ شكري باعلي هجوماً لاذعاً على ما وصفه بـ "خطاب الارتهان" و"المشاريع المعلبة" التي تحاول الالتفاف على الثوابت الوطنية الجنوبية، محذراً من مح


كلية الحقوق بجامعة عدن تنعي الأستاذ الدكتور ياسر سليمان حسن.

الخميس/12/مارس/2026 - 04:32 ص

نعت عمادة كلية الحقوق - جامعة عدن ممثلة بعميد الكلية الأستاذ الدكتور محمد صالح محسن وكافة أعضاء الهيئة التدريسية، ببالغ الحزن والأسى وفاة الأستاذ الدك