الخطر القادم على الجنوب: حين تتحول التعيينات إلى ألغـ.ـام سياسية
الأحد - 15 مارس 2026 - 05:26 ص
صوت العاصمة/ بقلم/ د. أمين قاسم أبوبكر ناصر
في لحظات التحولات الكبرى في التاريخ، لا تسقط الأوطان فجأة، بل تبدأ بالسقوط تدريجياً عبر قرارات تبدو عادية في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها بذور أزمات عميقة. واليوم يقف الجنوب أمام منعطف خطير، حيث تتحول التعيينات في مفاصل الدولة – من المحافظين إلى مديري المؤسسات والدوائر الحكومية – إلى مسألة تتجاوز الإدارة والخدمة العامة، لتصبح قضية سياسية وأمنية قد ترسم ملامح مستقبل المنطقة بأكملها.
إن تعيين شخصيات محسوبة على تيارات دينية أو حزبية بعينها، مثل التيارات السلفية أو حزب التجمع اليمني للإصلاح، في مواقع حساسة داخل مؤسسات الدولة، ليس مجرد اختيار إداري. بل هو قرار يحمل أبعاداً سياسية وإقليمية معقدة، خاصة في ظل عالم أصبح فيه ملف “مكافحة الإرهاب” أحد أهم الأدوات التي تستخدمها القوى الدولية في رسم سياساتها وتحالفاتها.
لقد أثبتت التجارب في العديد من البلدان أن أي خلط بين العمل الحكومي والتيارات الأيديولوجية قد يضع الدولة كلها في دائرة الشبهات الدولية. وفي عالم اليوم، لا تنتظر القوى الكبرى طويلاً قبل أن تبني مواقفها وتصنيفاتها، فإذا ما وُضعت مؤسسات دولة ما في خانة التأثير الأيديولوجي أو الارتباط بجماعات مثيرة للجدل، فإن ذلك قد يفتح الباب أمام ضغوط سياسية واقتصادية وربما أمنية قاسية.
والخطر الحقيقي هنا لا يتعلق بالأفراد بقدر ما يتعلق بالصورة العامة للدولة ومؤسساتها. فحين يصبح الجهاز الإداري للدولة مرتبطاً باتجاهات حزبية أو دينية محددة، فإن ذلك يضعف مفهوم الدولة الوطنية الجامعة، ويحول المؤسسات إلى ساحات صراع سياسي بدلاً من أن تكون أدوات لخدمة المجتمع.
إن الجنوب – الذي أنهكته الحروب والأزمات الاقتصادية وانهيار الخدمات – لا يحتمل مزيداً من المغامرات السياسية أو الحسابات الضيقة. فالمواطن البسيط لا يعنيه اسم الحزب ولا التيار، بقدر ما يعنيه أن يجد الكهرباء في بيته، والماء في حيه، والراتب في نهاية الشهر، والأمان في شوارع مدينته.
ومن هنا فإن الحكمة السياسية تقتضي أن تكون مؤسسات الدولة بعيدة عن الاستقطاب الحزبي والأيديولوجي، وأن تقوم التعيينات على أساس الكفاءة والنزاهة والخبرة، لا على أساس الانتماء أو الولاء. فالدول لا تُبنى بالمحاصصة الفكرية، بل تُبنى بالكفاءات التي تستطيع إدارة الأزمات وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
إن التاريخ يعلّمنا أن أخطر ما يهدد الأوطان ليس العدو الخارجي فقط، بل القرارات الداخلية التي تضعف الجبهة الوطنية وتفتح الأبواب أمام التدخلات الدولية. وحين تصبح مؤسسات الدولة محل شك أو جدل، فإن ذلك يمنح الآخرين فرصة التدخل بحجة حماية الأمن أو الاستقرار.
اليوم يحتاج الجنوب إلى صوت العقل أكثر من أي وقت مضى؛ يحتاج إلى مشروع دولة لا مشروع تيار، وإلى إدارة وطنية جامعة لا إدارة فئوية ضيقة. فالمستقبل لا يُبنى بالشعارات، بل ببناء مؤسسات قوية محايدة، قادرة على خدمة الناس وحماية الوطن.
إن الجنوب يقف على مفترق طرق: طريق يقود إلى دولة مؤسسات حديثة تقوم على الكفاءة والشفافية، وطريق آخر يقود إلى مزيد من الانقسام والضغوط الدولية. والقرار في النهاية ليس قرار حزب أو تيار، بل قرار شعب بأكمله يريد أن يعيش بكرامة في وطن آمن ومستقر.
والحكمة تقتضي أن نتذكر دائماً أن الدول الكبرى لا تنظر إلى الشعارات، بل إلى الوقائع على الأرض. فإذا أردنا حماية الجنوب ومستقبله، فإن الطريق يبدأ من هنا: من بناء دولة مدنية قوية، تحترم القانون، وتضع مصلحة الوطن فوق كل اعتبار.
د. أمين قاسم أبوبكر ناصر
15.03.2026