أحب عدن ولا أطيق حالها!
الأربعاء - 25 مارس 2026 - 11:11 م
صوت العاصمة/ كتب/ جمال حيدره
لست ممن يبالغون بحبهم لعدن، وليست حتى ضمن خيارات الإقامة الدائمة، حتى أنني لا امتلك فيها بيتا أو أرضا، أو حتى وظيفة في ميناء أو مطار، ولو خيروني بين شيء من ذلك وأغنية لمحمد سعد عبد الله أو عزاني في لحظات هادئة على ساحل العشاق أو جولدمور، فلن أتردد في اختيار الأخيرة.
حبي لعدن مختلف، ذلك أنني أحب روح المدينة أكثر ومأخوذ بتاريخها المتفرد في مجالات مدنية وحضارية وثقافية وفنية ورياضية، أهيم في شوارعها القديمة، وحينما أقف على قلعة صيرة أو جبل الساعة أجد صعوبة في تحرير ناظري من على كل شيء يقع عليه، بحر وأمواج وسواحل، معالم وحدائق وأبنية، وحتى حركة قوارب صغيرة قادمة من الفاتنة البريقة نحو الرقيقة التواهي .. أرقب بعيون دَهِشة جمال المعلا، وعراقة كريتر وسحر خور مكسر ، وإذا ما تخطيت الجسر البحري، تأسرني رموش السمراء دار سعد، وتستكين روحي في الشيخ عثمان، وفي المنصورة ينتصر النغم على الألم.
وفي كل مرة تهبط بي الطائرة في مطار عدن أشعر بأنني أحلق في سماء من بهجة، إنما لا أطيق حالها، واتألم كثيرا حينما تنطمس ملامحها في ظلام المكايدات السياسية، وينكسر قلبي كلما مررت بعدني متعب وفقير وحائر وحزين ، أحب أبناء عدن الحقيقين، وأميزهم من طيبة تلتمع في عيونهم دون تصنع، أعرفهم من أبسط لقاء وأصعب موقف، اتبينهم هكذا دون الاستدلال على اسم أو لقب، أو حتى لهجة، لأن الألقاب وحتى اللهجات بسيطة وسهلة، إنما الانتماء لعدن كحالة مدنية وحضارية وثقافية أمر صعب ويكاد أن يكون مستحيل وبالذات في هذا الزمن.
أحب بشكل جنوني أغاني خليل محمد خليل ومحمد سعد وعزاني وأحمد قاسم وسالم با مدهف وأمل كعدل نبيهة عزيم، وصباح منصر، ورجاء با سودان، وأسمهان عبد العزيز، وعطروش والمرشد وإسكندر ثابت وأبو بكر فارع ومراد عقربي وعصام خليدي وكل رواد الفن العدني الأصيل، ممن شكلوني فنيا وثقافيا ووجدانيا ووطنينا، أحب المسرح العدني جديده والقديم، إنما أجدني دائما في صف الرواد، ربما لأنني صادقت واحدا من رعيلهم المتميز الفقيد القدير والمخرج الكبير جميل محفوظ رحمه الله.
عدن يا سادة يا كرام يلزمها اليوم حبا حقيقيا، وانتماءا صادقا بكثير من الولاء والطاعة لكل ما يعيد لها اعتبارها كرائدة، لكل ما يعيد لها ابتسامتها الفاتنة على أن أكبر ما تحتاجه علما وعملا خالصين لروحها العابقة بالمحبة، وقائدا يحررها من دائرة الصراعات، ويجنبها دورات عنف، واقتتال ودمار، قائد يبني ويعمر ويكون قريبا من الناس الطيبة والبسيطة.
هذه باختصار علاقتي المتواضعة بعدن ، ولكنني ربما أكثر من عبر عن حبه لها بشكل عملي من خلال عدد من الأنشطة الإعلامية منها ما افتخر به دوما وهو برنامج تلفزيوني وثقت فيه ريادة عدن لليمن والجزيرة العربية في مجالات مختلفة، كان اسم البرنامج "الرائدة عدن" وأنتجته قناة السعيدة قبل عقد ونصف من الزمن تقريبا.
أرفق هنا رابط حلقة من ذلك البرنامج في الذكرى الثالثة عشر لانتهائي من تصويره مع الصديق الغالي على قلبي المبدع الذي تعلمت منه الكثير العزيز عبد العزيز القدسي رعاه الله، أتذكر يومها أن كل واحد منا قد طار في اتجاه، كان ذلك في آخر أيام شهر رمضان المبارك.