خديعة الأسر الكبرى.. محمود الصبيحي ونهاية الفيلم الهندي الطويل
الجمعة - 27 مارس 2026 - 12:22 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
إن الحديث في شأن "محمود الصبيحي" وما أحاط بشخصه من هالات البطولة المزعومة أو غبار التبعية المكتومة، ليس مجرد نبش في سيرة رجل، بل هو تشريح لعقلية سياسية أدمنت الخديعة حتى باتت ترى في المسرحيات الهزيلة ملاحم وطنية خالدة، فلو ألقى المرء سمعه لبداهة العقل، وتجرد من عواطف "القطيع" التي تصفق لكل عائد من غياهب المجهول، لوجد نفسه أمام تساؤلات تزلزل أركان الرواية الرسمية التي صيغت بمداد من زيف وتدليس، فكيف يستقيم في منطق الحوادث، وجغرافيا الصراع، أن يكون الرجل أسيرا لدى جماعة لا تعرف للأسير حقا، ولا للمواثيق عهدا، وهي التي قايضت بالبسطاء من الناس أثمن الأثمان، ثم نراها في حالة الصبيحي تفتح أبواب التأويل على مصاريعها، بل تجعل من "الأسر" ستارا كثيفا لتبادل الولاءات تحت جنح الظلام، فالشواهد التي تصفع وجوه المطبلين تشير بوضوح لا يقبل اللبس إلى أن عملية الأسر التي سبقت معركة عدن لم تكن إلا الفصل الأول من خديعة كبرى واتفاق مسبق، جرى هندسته بدقة ليكون الصبيحي "حصان طروادة" داخل معسكر الشرعية، فما الذي يثبت حقيقة هذا الأسر سوى ادعاءات لم تسندها رصاصة واحدة أطلقت، أو مقاومة تذكر، بل تسليم وتسلم بدد كل شك في أن المودة كانت قائمة خلف الواجهة.
ويمضي قطار الشكوك ليدهس كل محاولات التبرير الساذجة حين تطالعنا الأنباء الواردة من عمق الكهوف بأن الرجل، الذي كان يفترض به أن يرسف في أغلاله، كان يعيش حياة لا تمت بصلة لعذاب المعتقلات، بل ترددت الأصداء عن مصاهرة جرت في صنعاء بينه وبين الحوثيين، وزواج أثمر ولدا، فهل كان السجان يمنح أسيره حقوق الخلافة والنسل كنوع من "الكرم الحوثي" المعهود، أم أن الأمر برمته كان استقرارا في كنف الجماعة وتوطيدا للعلاقة بآواصر الدم، فهذه المعلومات التي تسربت، ورؤية الرجل في محافل وأماكن شتى كسلطنة عمان وغيرها قبل "تمثيلية" اطلاق سراحه، تضعنا أمام حقيقة أننا كنا نشاهد فيلما هنديا طويلا من الخداع البصري والسياسي، حيث يتحول العميل إلى بطل قومي بمجرد خروجه من طائرة الصليب الأحمر، في مشهد بائس يفتقر حتى للإخراج الجيد، إذ كيف يصدق عقل لبيب أن عدوا لدودا سيسمح لوزير دفاع خصمه بالتحرك والتنقل بل والتناسل، إلا إذا كان هذا الوزير قد صار جزءا أصيلا من منظومة العدو، يخدم أجندتها بزي "الأسير" المظلوم.
وعند العودة بالذاكرة إلى "الفيلم الهندي" الأول، ونعني به واقعة هروب الصبيحي من صنعاء في مارس من عام ألفين وخمسة عشر، نجد أن السخرية تبلغ مداها، فالعالم كله يعلم أن الرجل كان تحت حصار محكم من قبل ميليشيا تملأ الأرجاء وتراقب الأنفاس، ومع ذلك تكررت معجزة "الهروب الكبير" التي سبقه إليها الرئيس عبد ربه منصور هادي، وكأننا في دار حضانة يسهل القفز من أسوارها، لا في عاصمة سقطت في يد جماعة دموية تفتش حتى الضمائر، فإذا سلمنا جدلا، وعلى سبيل السخرية من القدر، أن هادي قد غافلهم وهرب فعلا رغم استحالة ذلك، فهل يعقل أن يكون هؤلاء القوم من الغباء بحيث يتركون وزير دفاعه يكرر ذات الفيلم الفانتازي وبنفس الطريقة والمسار، فالعقل لا يرفض هذه الرواية فحسب، بل يلفظها كجسم غريب، إذ لا يمكن لفيلم سينمائي ضعيف الحبكة أن يمرر فكرة مفادها أن الحوثيين، الذين كانوا ولازالوا يطبقون على كل شبر، فتحوا الطريق طواعية لمن يفترض أنه أخطر رجل ضدهم، إلا إذا كان الهروب في حقيقته "تسللا مأذونا به" للقيام بدور مرسوم سلفا في عدن والمحافظات الجنوبية، وهو ما يفسر الانهيارات المتلاحقة والغموض الذي شاب تلك المرحلة.
فهذه السياسة التي تقوم على تبادل الأدوار، وتصنيع الأبطال الوهميين من عجينة العمالة، هي التي أوردت البلاد موارد الهلاك، فالصبيحي الذي سار على خطى هادي في "مسرحية الفرار"، عاد ليلعب دور "الأسير الصامت" لسنوات، تمهيدا لعودته كفاعل سياسي برأس مرفوعة، بينما الحقيقة تصرخ في وجه الجميع بأن الأسوار لم تكن إلا واجهة، وأن القيود كانت من خيوط حريرية نسجتها التوافقات السرية، فالمقايضات التي جرت، والمعلومات التي طفت على السطح حول حياته في صنعاء، تثبت أننا أمام شخصية برعت في الرقص على الحبال، وأمام جماعة تدرك جيدا كيف تصنع من خصومها "أدوات" معطلة أو خلايا نائمة، بانتظار اللحظة المناسبة، وما إطلاق سراحه مؤخرا إلا تتويج لسنوات من العمل خلف الكواليس، ليعود إلى المشهد بثوب الضحية، بينما هو في حقيقة الأمر كان الشريك الصامت في كل ما جرى، مستغلا سذاجة العامة الذين يكتفون بظواهر الأمور ويغفلون عن بواطنها التي تنضح بالتآمر والارتزاق على حساب وطن يذبح من الوريد إلى الوريد بسكاكين أبنائه الذين يدعون حمايته.