مداد العاصمة



محمود الصبيحي والمزايدة الفجة.. علم الاحتلال في ديوان المحافظ

السبت - 28 مارس 2026 - 01:01 ص

محمود الصبيحي والمزايدة الفجة.. علم الاحتلال في ديوان المحافظ

صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي


في غمرة الصخب الذي يملأ الفضاء، وفي زحام المزايدات التي يبيعها البعض ويشتريها الآخر، نجد انفسنا في لحظات تستوجب منا وقفة تأمل عقلانية، لا تكتفي بملامسة القشور، بل تغوص في جوهر المواقف لتعريها وتكشف ما وراء الستار من نوايا وحسابات، فالحقيقة أحيانا تبدو واضحة كالشمس في رابعة النهار، لكن البعض يصر على ارتداء نظارات سوداء كي لا يرى إلا ما يوافق هواه أو يخدم أجنداته الضيقة، ونحن الليلة أمام مشهد درامي، بطله رجل يعرف جيدا قواعد اللعبة، لكنه اختار أن يلعبها بطريقة تثير من علامات الاستفهام أكثر مما تقدم من إجابات شافية، فالمسألة ليست مجرد قطعة قماش ترفع أو تنزل، بل هي رمزية للصراع بين إرادة شعب وتوجهات فرد قرر فجأة أن يتقمص دور الحارس الأمين لبروتوكولات لا وجود لها إلا في مخيلته، أو ربما في رغبته لتقديم أوراق اعتماد جديدة لجهة ما على حساب مشاعر ودماء وتضحيات جسيمة قدمها الجنوبيون على مدار عقود ثلاثة من الزمن المر.
فتأملوا معي هذا المشهد الذي جرى في ديوان محافظة لحج، حيث الزيارة يفترض أنها داخلية واعتيادية، واللقاء يجمع بين مسؤولين في إطار إداري محدد، فالقواعد المتبعة في أعراف الدولة والبروتوكولات المحلية المستقرة تقضي بأن تتصدر صورة رئيس الجمهورية وحدها المكاتب والدواوين الحكومية كرمز للسلطة التنفيذية، أما الأعلام فلا تجد طريقها إلى داخل هذه القاعات إلا في حالات نادرة ومحددة جدا، كاستقبال وفود أجنبية رفيعة المستوى تقتضي المعاملة بالمثل رفع الأعلام، أما في الاجتماعات الحكومية الصرفة والزيارات الميدانية للمسؤولين في مناطقهم، فالبساطة هي الأصل، وغياب العلم داخل المكتب لا ينقص من قدر الدولة ولا يقدح في هيبتها، وهذا ما يدركه محمود الصبيحي يقينا بحكم موقعه وتجربته الطويلة، لكنه فجأة، وعندما هم بالخروج من القاعة او المكتب الذي عقد فيه اللقاء، قرر أن يترك خلفه لغما سياسيا، فأشار إلى صورة الرئيس منتقدا غياب علم الجمهورية اليمنية، مطالبا برفعه في مكان لا يقتضيه الواجب ولا تفرضه اللائحة، وكأنه يريد أن يثبت أنه ملكي أكثر من الملك، أو وحدوي أكثر من الشماليين أنفسهم، في حركة لا يمكن وصفها إلا بأنها مزايدة فجة ومغالاة لا مبرر لها، أراد من خلالها افتعال مشكلة من العدم، وتحويل لقاء إداري إلى منصة لتوجيه رسائل استفزازية لشعب لا يزال يضمد جراحه.
وهذا العلم الذي أصر الصبيحي على رفعه في قلب لحج، ليس بالنسبة للجنوبيين مجرد ألوان متراصة، بل هو شعار لمرحلة الاحتلال، التي شردت الكوادر وأممت الأحلام وصادرت الهوية، والمفارقة المضحكة المبكية أن الصبيحي نفسه كان أحد ضحايا تلك المرحلة في صيف عام أربعة وتسعين، حين ضاق به الوطن وفر إلى الخارج هربا من آلة الحرب التي اجتاحت الجنوب تحت ذلك العلم نفسه، فكيف انقلبت الآية اليوم ليصبح المدافع الشرس عن رمزية غابت في وقت كان يجب أن تحضر فيه القوة والعدل، وحضرت اليوم في وقت يستوجب الحكمة ومراعاة مشاعر الناس... فالإصرار على رفع العلم في قاعة مغلقة دون ضرورة بروتوكولية هو نوع من أنواع الاستعراض السياسي الذي يفتقر للذكاء، ويفتقر أكثر للوفاء لتضحيات الشهداء الذين سقطوا وهم يناضلون لإنزال هذا العلم ليرفعوا علم هويتهم وكرامتهم، فمن هو المزايد الحقيقي هنا... هل هو المواطن الذي يتمسك بحقه في تقرير مصيره ويغار على دماء إخوته، أم المسؤول الذي يحاول استحضار أدوات الصراع القديمة بغير داعي...
والذين انبروا للدفاع عن قضيتهم وانتقدوا تصرف الصبيحي لم يأتوا ببدع من القول، بل مارسوا أبسط حقوقهم في التعبير عن رفضهم لعملية استفزاز متعمدة، فليس من المزايدة أن تدافع عن قضية وهبتها عمرك وقدمت من أجلها قوافل من الشهداء، بل المزايدة هي أن تحاول فرض واقع مرفوض شعبيا من خلال شكليات تافهة لا تغني ولا تسمن من جوع، فغياب العلم في تلك القاعة لم يكن ليزعزع أركان الجمهورية، ولم يكن حضوره ليضيف لها ذرة من الشرعية المفقودة في قلوب الناس، لكن الصبيحي أراد أن يفتعل معركة وهمية ليثبت ولاءه في غير موضعه، وكأن التاريخ يكرر نفسه في ثوب ساخر، حيث يتحول الضحية إلى حارس للسجن القديم، متناسيا أن الشعوب لا تنسى، وأن الجراح التي لم تلتئم بعد لا تحتمل مثل هذه النكايات السياسية الصغيرة، فالمزايد هو من يبيع الكلام في سوق النخاسة السياسية، والمنطقي هو من يقرأ الواقع كما هو، لا كما تشتهيه رغبات المناصب وكراسي الحكم الزائلة التي تجعل المرء ينسى حتى نفسه التي كانت يوما في خندق الدفاع عن الحق والكرامة.
فكيف يمكن لمن يتحدث باسم العقل والمنطق من مناصري الصبيحي أن يصفوا ردة فعل الجنوبيين بالمزايدة... في محاولات بائسة لقلب للحقائق وتزييف للوعي، فالمدافع عن بيته وعن دماء أهله وعن حلمه بوطن لا يحكمه من غدر به هو صاحب الحق الأصيل، أما من يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء من خلال افتعال أزمات بروتوكولية فهو الذي يمارس المزايدة والمغالاة في أقبح صورها، فمحمود الصبيحي يعلم تمام العلم حساسية هذا الرمز في هذه اللحظة التاريخية، ويعلم أن الجنوبيين ناضلوا لثلاثة عقود لإسقاط هذا الواقع، فجاء تصرفه ليشعل نارا في هشيم الصبر، وليثبت أن السلطة أحيانا تعمي البصيرة قبل البصر، وتجعل المسؤول يغرد خارج سرب شعبه، متوهما أن رفع قطعة قماش في مكتب مغلق يمكن أن يغير من حقيقة أن الأرض لفظت كل من حاول استعبادها، وأن الإرادة الشعبية هي العلم الحقيقي الذي لا يحتاج إلى توجيهات من مسؤول أو بروتوكولات من ديوان، بل هي المحرك الذي لا ينطفئ مهما حاول المزايدون الالتفاف عليه أو القفز فوق تضحياته الجسيمة التي رسمت بدم قاني طريقا لا رجعة فيه نحو الحرية والانعتاق من كل القيود.
وهنا أتساءل بمرارة، ماذا ربح الصبيحي من هذا الموقف... هل استتبت له أمور الوحدة.. وهل زادت شعبيته في أوساط المطالبين بالدولة.. والإجابة واضحة في حجم الغضب الذي اجتاح الشارع، وفي حالة الاستنكار التي قوبل بها تصرفه الذي لا ينم عن حنكة سياسية، بل عن رغبة في تسجيل نقاط وهمية في مرمى الحلفاء قبل الخصوم، فالحكومة التي يرفضها الشعب لن ينقذها رفع علم هنا أو هناك، والجمهورية التي تفتقر للوحدة لن تعيدها صرخات في ممرات محافظة لحج، فالمنطق يقول إن الواجب كان يحتم على المسؤول تقدير الظروف ومراعاة الوجع الشعبي، لكن محمود الصبيحي ومن ناصره اختاروا طريق المزايدة، وطريق الاستفزاز، وكأنهم يريدون اختبار مدى تحمل الجنوبيين لهذا الصلف، فجاء الرد قويا وواضحا بأن الحقوق لا تضيع بالتقادم، وأن الذين صمدوا في الميادين وتحت القصف لن ترهبهم كلمات عابرة في زيارة بروتوكولية، ولن يقبلوا بأن يعود الاحتلال من نافذة الأعلام بعد أن طردوه من باب المقاومة، فالحقيقة المزلزمة اليوم هي أن المزايد هو محمود الصبيحي الذي أراد أن يرفع علما منبوذا في غير مكانه، والمناضل الصادق هو من يقف له بالمرصاد دفاعا عن تاريخه وحاضره ومستقبل أجياله القادمة.



الأكثر زيارة


عاجل: متأثرا بإصابته..وفاة الصحفي صامد القاضي في تعز.

الجمعة/27/مارس/2026 - 12:37 ص

توفي الصحفي صامد القاضي، قبل قليل، متأثرًا بإصابته البالغة التي تعرض لها جراء إطلاق نار سابق في محافظة تعز. وأكدت مصادر طبية في هيئة مستشفى الثورة الع


عدن.. زيادة سعرية جديدة تضرب أسواق الجملة.. فيما السكر والزي.

الجمعة/27/مارس/2026 - 10:16 م

أفادت مصادر تجارية عن تسجيل ارتفاع جديد ومفاجئ في أسعار السلع الغذائية الأساسية بمحلات الجملة، وسط مخاوف من انعكاس ذلك على كاهل المواطنين المثقل بالأز


مليشـ.ـيا الحو.ثي تكشف عن تفاهمات مع السعودية لصرف المرتبات .

الخميس/26/مارس/2026 - 11:59 م

أثارت تصريحات حديثة لقيادات في مليشيا الحوثي الارهابية موجة واسعة من الجدل، بعد حديثها عن تفاهمات مع المملكة العربية السعودية تقضي بدفع المرتبات من مو


عاجل : الحـ,ـوثيون يعلنون عن بيان عسكري تزامناً مع التطورات .

الجمعة/27/مارس/2026 - 09:51 م

أعلن المتحدث العسكري باسم مليشيات الحوثي التابعة لإيران، يحيى سريع عزمه إصدار بيان عسكري خلال الساعات القادمة، في خطوة تُعد الأولى من نوعها منذ بدء ال