معركة الوعي قبل معركة الميدان
السبت - 04 أبريل 2026 - 12:21 ص
صوت العاصمة / بقلم / د. مطيع الأصهب
في خضم الأزمات التي تعصف باليمن، يظن البعض أن الحسم يبدأ من الميدان فقط، وأن القوة وحدها كفيلة بإنهاء الصراع. لكن الحقيقة تقول إن كل معركة تُحسم أولًا في العقول قبل أن تُحسم على الأرض، وأن الوعي هو السلاح الأول والأبقى في أي صراع طويل ومعقد.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن غياب الوعي يفتح الباب أمام المشاريع الضيقة لتتسلل إلى المجتمع، وتعيد تشكيله بما يخدم مصالحها. فحين يُغيب العقل، يسهل توجيه الناس بالشعارات، وتُستبدل الحقائق بالأوهام، ويصبح المواطن جزءًا من المشكلة بدلًا من أن يكون مفتاح الحل. ومن هنا، فإن معركة الوعي ضرورة وطنية لا تقل أهمية عن أي جهد ميداني.
لذلك يجب أن يدرك اليمني من هو خصمه الحقيقي، وما هو المشروع الذي يسعى لفرضه، وما الذي يهدد مستقبله ومستقبل أبنائه. ويجب أن يُميّز بين من يعمل لأجل الوطن، ومن يستثمر في معاناته. فالخلط بين الأوراق، والتضليل الإعلامي، وتزييف الوعي، كلها أدوات تُستخدم لإطالة أمد الصراع وإضعاف المجتمع.
كما أن معركة الوعي تتطلب خطابًا مسؤولًا، لا يقوم على الكراهية أو الإقصاء، بل على الحقائق، وعلى بناء قناعة جماعية بضرورة استعادة الدولة ومؤسساتها. فالدولة عبارة عن منظومة تحفظ الحقوق وتضبط العلاقة بين الناس، وغيابها يعني الفوضى مهما كانت الشعارات براقة.
ولا يمكن لأي انتصار ميداني أن يستمر دون حاضنة شعبية واعية تدرك معنى هذا الانتصار وتحافظ عليه. فكم من معارك كُسبت بالسلاح وخُسرت لاحقًا بسبب غياب الوعي، وكم من مشاريع سقطت لأنها لم تجد قبولًا حقيقيًا في وجدان الناس.
إن بناء الوعي يبدأ من الكلمة، من الإعلام، من التعليم، من الأسرة، ومن كل مساحة يمكن أن تُزرع فيها فكرة صحيحة. وهو مسؤولية جماعية لا تقع على طرف واحد، بل على كل من يؤمن بأن اليمن يستحق مستقبلًا أفضل.
لذلك تبقى معركة الوعي هي الأساس. فإذا انتصر الوعي، أصبح الطريق إلى استعادة الدولة أقرب وأوضح، وإذا غاب، فإن أي نصر في الميدان يظل هشًا وقابلًا للانهيار. فقبل أن تُرفع الرايات في الميدان، يجب أن تُرفع في العقول قناعة راسخة بأن اليمن لكل أبنائه، وأن الدولة هي المخرج الوحيد من دوامة الصراع