لماذا يرى بن لزرق المجاري ولا يرى آبار النفط المنهوبة؟
الثلاثاء - 07 أبريل 2026 - 12:25 ص
صوت العاصمة/ كتب: هشام صويلح
قبل يومين، فاجأ الصحفي فتحي بن لزرق متابعيه بإعلان مبادرة شخصية لرصد الخلل في الخدمات العامة. دعا المواطنين إلى توثيق أي مخالفة أو تقصير بالصورة أو الفيديو، وإرسالها إليه عبر رقم واتساب، متعهدًا بمتابعة الحالات مع الجهات المختصة بعد نشرها على منصاته. طفح مجاري، انقطاع كهرباء، تأخير معاملات، تهالك طرق، سوء استخدام للسلطة – كل ما يضر بالمصلحة العامة كان مرحبًا به. لكن منشوراته قبل 74 يومًا فقط تروي قصة مختلفة تمامًا.
كان بن لزرق نفسه يكتب في 19 يناير 2026 أن "الكهرباء انتظمت بعد سنوات من العذاب، والغاز المنزلي بات متوفرًا، والرواتب بين أيدي الناس". وبعد ستة أيام، وتحديدًا في 25 يناير، نشر قائمة بـ "10 إنجازات تحققت خلال 10 أيام": صرف رواتب القطاعات العسكرية والأمنية والمدنية، تزويد 70 محطة كهرباء بالوقود لثلاثة أشهر، إعادة تشغيل محطات خرجت عن الخدمة منذ عامين، ونقل المعسكرات خارج عدن. وفي 29 يناير، أشاد بـ "خلية نحل" قادها المستشار السعودي فلاح الشهراني، واصفًا ما تشهده عدن بأنه "استقرار أمني وتحسن معيشي وصرف منتظم للمرتبات". وبحلول 5 فبراير، كان يعلن أن "وجه المحافظات الجنوبية تغير كليًا خلال أقل من شهر"، مع فرحة أطفال زنجبار التي قال إنها "تكفي لتروي تفاصيل حكاية التغير نحو الأفضل".
ثم فجأة، في 3 أبريل، يتحول الرجل نفسه إلى "مراقب شعبي" يطلب صور المجاري. لم يشر في مبادرته إلى أي تراجع في الخدمات، ولم يفسر كيف انتقل من "إنجاز غير مسبوق" إلى "حالة طوارئ". والأكثر إشكالية أنه لم ينشر خلال كل هذه الفترة تقريرًا واحدًا أو منشورًا فيسبوكيًا يثبت فيه متابعته لأي حالة. لا أثناء فترة "الإشادة" ولا بعدها.
بطبيعة الحال، لم يمر هذا التناقض على النشطاء. حسين الجفري، علق ساخرًا، أعلن امتلاكه فيديوهات توثيقية لسرقة آبار نفط حضرموت، وسأل إن كان بإمكانه إرسالها إلى بن لزرق. وهنا يكشف بن لزرق عن وجه مبادرته الحقيقي: لم يطلب الفيديوهات، ولم يتعهد بمتابعتها، ولم يعلق أصلًا. نعم، نهب ثروة النفط الوطنية مجرد تفصيل ثانوي مقارنة ببالوعة منزلية، حسب منطق مبادرته. هو يرى فقط ما يريد أن يراه، ويتجاهل ما يكشف حدود تأثيره الحقيقي.
من جهته، فتح صدام القاضي ثلاثة ملفات محددة، لم يرد عليها بن لزرق حتى الآن: أولها مصير التحقيق الذي أمر به النائب العام بشأن آبار النفط والمصافي غير القانونية في وادي وصحراء حضرموت. ثانيها ادعاء بن لزرق السابق بأن الانتقالي كان يأخذ 30 مليارًا شهريًا (في فيديو موثق على قناة الحدث السعودية) – فأين ذهبت هذه الأموال بعد 4 أشهر من رحيلهم، بمجموع يبلغ 120 مليارًا بينما البنك المركزي خالٍ من السيولة؟ وثالثها صور ثلاجات المنازل التي كان بن لزرق ينشرها قبل شهرين، مدعيًا أن المياه تجمدت لاستمرار الكهرباء 18 ساعة يوميًا. سأله القاضي ببساطة: أين راحت تلك الكهرباء مع اقتراب فصل الصيف، قائلًا: خمس ساعات طافي مقابل ساعتين فقط لاصي؟
أما خالد يعقوب، فاختار زاوية مختلفة: استذكر تصريح بن لزرق في 21 يناير 2026 لقناة العربية، حين وصف إخراج 28 معسكرًا من عدن بأنه "قرار صائب"، وأضاف أن "جميع المعسكرات الأخرى سيتم نقلها إلى خارج عدن وسيتم تحويل مساحاتها إلى مدارس ومستشفيات". ثم سأله خالد ببساطة: إن كنت تؤيد نقل المعسكرات وكنت تروج لتحويلها إلى مدارس ومستشفيات، فلماذا تصمت اليوم عن قدوم قوات عسكرية جديدة إلى المدينة بعد خروج القديمة؟ أليس صمتك هذا تناقضًا مع موقفك السابق؟
إذاً، السؤال ليس لماذا يطلب بن لزرق صور المجاري، بل لماذا يطلبها ويتجاهل فيديوهات نهب آبار النفط؟ الفارق ليس في حجم المشكلة، بل في حجم الجرأة على المتابعة. بن لزرق يصرخ من أجل بالوعة منزلية ويتغاضى عن نهب ثروة وطنية. ينشر صور ثلاجات متجمدة ولا يسأل لماذا انقطعت الكهرباء اليوم. يتهم الانتقالي بـ30 مليارًا ويسكت عن مصير 120 مليارًا بعد رحيلهم. إنه نموذج حي للخطاب الانتقائي: يرى ما يناسبه، ويتجاهل ما يربكه.
خلاصة القول، فتحي بن لزرق الآن لم يطلق مبادرة رقابية حقيقية. لقد أعاد إنتاج تناقضاته السابقة تحت عنوان "البطل الشعبي". رجل كان يصف تحسن الكهرباء بأنه "إنجاز غير مسبوق" قبل 74 يومًا فقط، ثم يدعو فجأة إلى رصد انقطاعها – إما أن تقييمه السابق كان مبالغًا فيه، أو أن مبادرته الحالية استعراضية. وفي الحالتين، المصداقية لا تعلن بمبادرة، بل تثبت بنشر تقارير دورية: كم حالة تلقى؟ كم تابع؟ كم أنجز فعلًا؟ بدون ذلك، يبقى الرقم 77xxxxxxx مجرد واجهة أخرى من واجهات الخطاب الانتقائي.
تعتمد هذه المادة على منشورات موثقة ومقابلات تلفزيونية وتصريحات علنية منشورة خلال الفترة من يناير إلى أبريل 2026."
كتبه: هشام صويلح