الجنوب والرهان الصعب: إرادة الشعوب في مواجهة أفلام القوى العظمى.
الخميس - 09 أبريل 2026 - 12:42 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
حين تطوي الايام صفحاتها على مشهد جنائزي للصدق ومهرجاني للزيف، نجد انفسنا امام ضرورة اخلاقية وتاريخية لتفكيك خيوط المسرحية التي عرضت فصولها الاخيرة ليلة الامس، فما جرى لم يكن مواجهة بين استراتيجيات متصارعة، بقدر ما كان انتاجا سينمائيا متواضع القيمة، افتقر الى ابسط قواعد الحبكة الدرامية والاقناع الفني، حيث وقفت الولايات المتحدة واسرائيل في خندق، وايران في خندق مقابل، ليؤدوا ادوارا مرسومة بدقة في نص كتب بمداد المصالح المشتركة تحت الطاولة، بينما تشتعل النيران في الهواء فوقها لتضليل الرأي العام العالمي، وقد جاء الستار ليرتفع عن اتفاق ينهي هذه الحرب المفتعلة، مقدما ايران في ثوب البطولة الزائفة، عبر ربط وقف العمليات العسكرية بفتح مضيق هرمز، وهو الربط الذي يثير السخرية قبل التساؤل، ذلك ان المضيق لم يكن يوما هدفا معلنا لهذه العمليات، ولم يكن مغلقا بالاساس حين اندلعت الشرارة الاولى لها، بل جرى اغلاقه لاحقا في سياق ترتيبات المشهد ليصبح التنازل عنه هو "الجائزة" التي تحفظ ماء وجه الجميع.
اما التهديدات الامريكية التي سبقت هذا الختام البائس بايام، والتي لوحت بازالة ايران من الخارطة واعادتها الى العصور الحجرية،فقد كانت مجرد مؤثرات صوتية لازمة لتضخيم حجم "الانتصار" الايراني المزعوم، فقبول طهران بفتح المضيق الذي اغلقته هي في توقيت مدروس، سمح بواقعة التوقيع على اتفاق الهدنة التي صورت امريكا وكأنها مرغمة على التراجع امام صمود ايران الاسطوري، والحقيقة ان هذه المواجهات التي كانت واقعية في ادواتها ومبالغا فيها اعلاميا الى حد الفجاجة، لم تكن سوى وسيلة لترسيخ وهم الدولة العظمى التي تعجز الترسانة الغربية عن كسر ارادتها، ومن هنا ندرك ان الهدف الحقيقي من هذه الحرب ليس اعادة صياغة موازين القوى في الاقليم، بل اخضاع شعوب المنطقة لنفسية الهزيمة، واجبارها على القبول بالتمدد الايراني واذرعه العسكرية كقدر لا يرد في المنطقة، طالما ان القوة الاعظم في العالم قد ركعت وقبلت بشروط طهران.
وهذا الضجيج المفتعل يجد صداه المباشر والمرسوم له في الساحة اليمنية، وتحديدا في الجنوب، حيث تسعى القوى الدولية عبر هذا "الفيلم" السينمائي الى ارهاب الشعب الجنوبي وكسر تطلعاته نحو الاستقلال، فالرسالة التي يريدون ايصالها له بوضوح هي ان الحوثي، كذراع لايران المنتصرة، يمتلك من القوة ما يجعل مقاومة مشاريعه ضربا من الخيال، ومن ثم يصبح الحوار معه والقبول بمشروع الفيدرالية والاقاليم الستة هو المخرج الوحيد المتاح امام الجنوبيين، وهنا تتقاطع اجندة الغرب بقيادة واشنطن مع تحركات طهران والادوات الحوثية، اذ يعمل الجميع كفريق واحد لتنفيذ مخطط تقسيم اليمن بما يضمن بقاء الجنوب رهينة لمركزية صنعاء تحت مسمى الاتحاد الفيدرالي، وهو المشروع الذي تتبناه امريكا وتدفع به عبر واجهات محلية واقليمية تدعي العداء فيما بينها بينما هي في جوهر الامر تنفذ سياسة موحدة.
والقراءة العميقة لمجريات الاحداث تؤكد ان الشعب الجنوبي يدرك يقينا ان الموقف الدولي بمجمله، بدءا من القوى العظمى وصولا الى ايران ومعهما السعودية، يقف في خندق واحد ضد تطلعاته الوطنية، واذا كان هذا الشعب لا يلقي بالا للضغوط الامريكية المباشرة ولا يرهبه الموقف الغربي المعلن ضد استقلاله، فمن باب اولى ألا يخشى تابعا يؤدي دورا وظيفيا مثل الحوثي او من يقف خلفه في طهران، فلو كان الخوف من القوة الغاشمة سبيلا للتراجع، لكانت سياسات واشنطن هي الاولى بالخشية، لكن الارادة الوطنية الجنوبية ليست سلعة في سوق المقايضات الدولية، وليست رهينة لمدى قوة هذا الطرف او ضعف ذاك، بل هي فعل ايمان تاريخي بالحق في تقرير المصير بعيدا عن مسرحيات القوى الاقليمية التي تحاول اعادة انتاج الاحتلال بوجوه جديدة.
فمحاولة تخويف الجنوبيين عبر تضخيم القوة الايرانية والحوثية هي محاولة بائسة تسقط امام واقع ان الشعب الجنوبي يعلم جيدا حجم التآمر الذي يحاك ضده في كواليس العالم، وهو يعلم ان كل هذه المناورات تهدف الى دفعه للتراجع خطوة للوراء عن اهدافه الاستراتيجية، بيد ان الحقائق على الارض والارادة الصلبة تثبت ان اي قوة في هذا العالم لا تملك القدرة على اجبار شعب على التنازل عن حريته، فالمواجهات التي شاهدها العالم كانت متفقا عليها ضمن سيناريو الفيلم، والنتائج كانت معدة سلفا في دهاليز السياسة الدولية، وما يتبقى في النهاية هو صمود الشعوب التي ترفض ان تكون مجرد كومبارس في مسرحية هزلية تهدف الى تصفية قضاياها الوطنية العادلة لصالح مشاريع مشبوهة تتستر بعباءة الصراع وهي في الاصل تحالفات خفية.