زلزال الرياض: تشخيص الداء التنظيمي وأولوية العقيدة الثورية على الدبلوماسية الهشة
الإثنين - 13 أبريل 2026 - 12:38 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
تتهاوى القلاع حينما تنخر السوس في أعمدتها من الداخل قبل أن تضربها المدافع من الخارج، والمشهد الذي تجسد في الرياض مؤخرا لم يكن مجرد انكسار دبلوماسي أو إخفاق في جولة تفاوضية بل كان زلزالا كشف عن تصدعات عميقة في بنية الكيان الذي يحمل على عاتقه أقدس قضايا العصر في الجغرافيا الجنوبية، فأن يذهب وفد أرسله الرئيس عيدروس الزبيدي ليمثل إرادة شعب وتطلعات أمة ثم ينقلب على شرعيته ويعلن حل المجلس بمجرد ملامسة أقدامه أرض العاصمة السعودية هو فعل يتجاوز حدود الوصف السياسي ليلامس ضفاف الخيانة الوطنية والثورية المكتملة الأركان، لكن الحقيقة المرة التي يجب أن تقال بصراحة جارحة تليق بعظمة التضحيات هي أن إلقاء كامل اللوم على هؤلاء النفر وحدهم يعد قفزة فوق الواقع وهروبا من مواجهة الذات، فالخيانة لا تنبت في أرض صلبة ولا تجد لها سبيلا في كيان متماسك بني على عقيدة ثورية لا تقبل الاهتزاز، وما حدث يضع المجلس الانتقالي الجنوبي أمام مرآة الحقيقة ليرى فيها شريكا أصيلا في المسؤولية عما جرى، إذ ثمة خلل تنظيمي وقيمي ووطني فادح داخل أروقة المجلس هو الذي مهد الطريق لهذه الردة المفاجئة وجعل هؤلاء يرفعون الراية البيضاء من الوهلة الأولى دون أدنى مقاومة أو اعتراض، وكأن الولاء كان حبرا على ورق ينتظر أول ريح بارد ليمحوه تماما من الذاكرة والوجدان.
وتشخيص هذا الداء العضال يستوجب الغوص في أعماق الآليات التي تدار بها الأمور، فربما كانت انفرادية القرار وضيق دائرة اتخاذه هي الثغرة التي تسلل منها الضعف، أو لعل التراخي الثوري الذي أصاب بعض مفاصل القيادة وأدى إلى إهمال جانب الولاء والشدة في التعاطي مع ثوابت القضية هو الذي أغرى المتربصين بالقفز من السفينة عند أول منعطف، فغياب الجانب التأديبي الصارم وغياب النهر والتشديد على قدسية الهدف جعل من الانتماء للمجلس مجرد وظيفة سياسية لا عقيدة نضالية، وهذا التخاذل عن العقيدة الثورية والتساهل في التمسك بأهداف المجلس جعلها قابلة للتفاوض والمساومة في أروقة الفنادق بعيدا عن خنادق المناضلين، ولعل الأقرب للواقع المرير من كل هذه الاسباب هو سوء آليات اختيار وترشيح القيادات والابتعاد عن المعايير الثورية الصارمة التي تفرز الغث من السمين، فالمجلس في لحظة ما فتح أبوابه لمن لا يؤمنون بالثورة فكرا وممارسة، بل لمن يرون فيها وسيلة لتحقيق مآرب شخصية أو مكاسب سياسية دنيئة، متناسين أن الجنوب لا يزال يعيش حالة مخاض ثوري مستمر لم يهدأ بعد.
اذ ان الثورة في جوهرها لا تحتاج إلى أكاديميين يتقنون فن المناورة السياسية أو مدنيين يبحثون عن توافقات هشة بقدر ما تحتاج إلى رجال تشبعت أرواحهم بالإيمان المطلق بعدالة القضية، فالمعايير القيادية في زمن الثورات يجب أن تكون وطنية صرفة وصدامية حين يلزم الأمر، لأن الثورة لا تدار بمنطق الإدارة العامة أو البروتوكولات الدبلوماسية الناعمة، بل تدار بمنطق الصرامة والوعي الوطني الذي لا يفرط في ذرة تراب أو قطرة دم، ونحن اليوم بصدد تحقيق أهداف الثورة والوصول إلى الاستقلال الجغرافي والسياسي والوطني الناجز، ولسنا بصدد بناء دولة في فراغ، إذ لا يمكن الحديث عن أهداف الدولة ومؤسساتها قبل أن يتحقق هدف الثورة الأول والأخير وهو الاستقلال الكامل، فالدولة بلا استقلال هي هيكل بلا روح، والسعي لتحقيق أهداف الدولة قبل إنجاز مهام الثورة هو وضع للعربة أمام الحصان واستهلاك للوقت في معارك جانبية لا تخدم الجوهر.
وما حدث في الرياض لم يكن معزولا عما يدور في الداخل، فقد امتدت شظايا ذلك الانقلاب لتشمل مستويات قيادية مختلفة، مما يؤكد أن الداء قد استشرى في الجسد ولم يعد محصورا في وفد بعينه، وهذا يفرض على المجلس الانتقالي أن يجعل من هذه النكسة محطة مراجعة شاملة لا تقبل الترقيع أو المواربة، فتصحيح الأخطاء يبدأ من تغيير النهج وتكريس مبدأ الصرامة الثورية التي لا تعرف ألتراخي، والابتعاد الكلي عن منطق السياسة المداهن حين يتعارض مع مصلحة الوطن والمنطق الثوري، فالثورة كالنار لا تقبل الشوائب والخطأ البسيط في حساباتها قد يحرق المنجزات ويعيد الأمور إلى نقطة ما قبل الصفر، لذا وجب الضرب بيد من حديد على كل تهاون وإعادة صياغة الولاءات على أسس نضالية حقيقية تعيد للثورة ألقها وللقضية هيبتها بعيدا عن حسابات الربح والخسارة الضيقة التي أوردتنا موارد التهلكة في لحظة غفلة تاريخية كادت أن تعصف بكل شيء لولا يقظة الأحرار وصمود الأبطال في الميادين الذين لا يزالون ينتظرون قيادة بمستوى تضحياتهم الجسيمة.