نهاية السعودية داخل الجنوب هو انتفاضة شعبية كسيل جارف
الأربعاء - 15 أبريل 2026 - 12:29 ص
صوت العاصمة/ كتب : أكرم العلوي
الانتفاضة الشعبية في الجنوب لم تولد من فراغ. هي تراكم سنوات من الغضب المكبوت والتهميش الممنهج والوعود التي تبخرت عند أول اختبار. عندما يفقد الناس الثقة بالراعي الخارجي تتحول كل خطوة له إلى عبء وكل تدخل إلى شرارة. الجنوب اليوم يعيش هذه اللحظة بالضبط. ما يجري ليس احتجاجا عابرا يمكن احتواؤه بحزمة مساعدات أو خطاب تهدئة، بل موجة غضب شعبي تتسع كل يوم وتأخذ شكل السيل الجارف الذي لا يوقفه جدار ولا تقنعه المسكنات، بدأ التدخل السعودي في الجنوب تحت لافتة الدعم والتحالف، لكن مع الوقت تحولت العلاقة إلى وصاية ثقيلة. القرار السيادي صار مرهونا بغرف مغلقة خارج الحدود، والموارد الاقتصادية تُدار بمنطق النفوذ لا بمنطق حاجة الناس. رواتب مقطوعة، خدمات منهارة، ومشاريع معلنة لا ترى النور. في المقابل تضخمت شبكات الولاءات وترسخ شعور عام أن القرار ليس بيد أبناء الأرض. هذا الاحتقان لم يعد يحتاج إلا إلى شرارة، والشرارة جاءت من الشارع نفسه، ما يميز هذه الانتفاضة أنها لا تملك رأسا واحدا يمكن التفاوض معه أو احتواؤه. هي غضب أفقي ينتقل من حي إلى مدينة ومن سوق إلى جامعة. النقابات تغلق، الطلاب يخرجون، القبائل تعلن مواقفها، والشباب يملأون الساحات بلا تنسيق مسبق. هذه اللامركزية هي مصدر قوتها، لأنها تجعل القمع التقليدي بلا جدوى. كلما أُخمدت نقطة اشتعلت ثلاث نقاط أخرى. السيل لا يتوقف لأنه لا يعتمد على سد واحد، تحولت كلمة "ارحل" من مطلب سياسي إلى حكم شعبي نافذ. لم تعد النخب قادرة على تسويق بقاء النفوذ السعودي كضرورة أمنية أو اقتصادية. الخطاب الذي كان يُستخدم لتبرير الوجود فقد صلاحيته أمام أم تعجز عن شراء الدواء وأب لا يجد راتبه. المعادلة انقلبت. صار الدفاع عن هذا الوجود تهمة، والمطالبة برحيله موقفا جامعا بين أطياف كانت مختلفة حتى الأمس، الانهيار المعيشي هو المحرك الأعمق للانتفاضة. العملة تتهاوى، الأسعار تشتعل، والمشتقات النفطية تحولت إلى سوق سوداء دائمة. الناس تربط مباشرة بين هذا الانهيار وبين السياسات التي تدار من خارج الحدود. عندما يجوع الشارع لا تنفع البيانات الدبلوماسية. السيل الجارف لا يناقش الأرقام، هو يكنس كل من يراه سببا في جوعه. لهذا السبب فشلت كل محاولات شراء الوقت بالوعود المالية المؤقتة.
الانتفاضات الشعبية حين تصل إلى مرحلة كسر حاجز الخوف لا تعود إلى نقطة الصفر. الخسائر التي دُفعت في الشارع من دماء واعتقالات وتضحيات تجعل خيار التراجع خيانة في وعي الناس الجمعي. السعودية في الجنوب وصلت إلى هذا الجدار. رصيدها السياسي استُنزف، وأدواتها المحلية فقدت شرعيتها أمام الجمهور. أي محاولة لإعادة عقارب الساعة ستصطدم بجدار الرفض الشعبي الذي صار أكثر صلابة من أي تحالف.
نهاية النفوذ لا تعني نهاية التحديات. السؤال الأخطر يبدأ في اليوم التالي. كيف يمنع الجنوب فراغا جديدا؟ كيف يبني مؤسسات لا تعيد إنتاج التبعية تحت اسم آخر؟ الانتفاضة أسقطت الوصاية، لكن تثبيت السيادة يحتاج مشروعا سياسيا واقتصاديا يملكه الناس ويحرسونه. الدرس القاسي أن الشعوب قد تصبر طويلا، لكنها حين تنفجر تصبح كالسيل. والسيل لا يفاوض.
الخلاصة أن ما يجري في الجنوب تجاوز الغضب المؤقت. هي لحظة تاريخية يقرر فيها الشارع مصيره بيده. والنفود الذي لا يستند إلى رضا الناس يسقط مهما كانت أدواته. هذه هي الانتفاضة، وهذا هو السيل الجارف.
أبو الاسكندر العلوي