جنوب اليمن .. بين حلم الدولة وكابوس التسلّط
الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - 09:18 م
صوت العاصمة/خاص:
كتب : د. أمين قاسم أبوبكر ناصر
في لحظة تاريخية فارقة، يقف جنوب اليمن على مفترق طرق حاسم، حيث تتصارع إرادة شعبٍ يتوق إلى استعادة دولته وهويته، مع قوى تحاول إعادة إنتاج ذاتها عبر أدوات الهيمنة والتسلّط. لم يعد المشهد مجرد خلاف سياسي عابر، بل أصبح معركة وعي وإرادة، بين مشروع وطني واضح، ومشاريع أخرى تتغذى على الفوضى وتعيش في ظل الأزمات.
إن الحديث عن بعض التيارات التي ارتبط اسمها بالفكر الإخواني، لا ينبغي أن يكون بدافع الكراهية أو التحريض، بل من باب التقييم السياسي المسؤول. فالتجارب في المنطقة أثبتت أن خلط الدين بالسياسة، واستخدام الشعارات الدينية كوسيلة للوصول إلى السلطة، غالباً ما يؤدي إلى انقسامات عميقة، ويُضعف مؤسسات الدولة بدل أن يقوّيها. هذه ليست اتهامات عاطفية، بل قراءة في واقع تكرّر في أكثر من ساحة عربية.
في الجنوب، يدرك الناس جيداً أن قضيتهم أكبر من أي حزب أو جماعة. هي قضية شعبٍ دفع أثماناً باهظة، وقدم تضحيات جسيمة، من أجل أن يعيش بحرية وكرامة. ولذلك، فإن أي محاولة للهيمنة على القرار الجنوبي، أو الالتفاف على إرادة الناس، تُقابل برفض شعبي واسع، لأن الوعي اليوم لم يعد كما كان في الماضي.
سياسياً، الجنوب بحاجة إلى شراكة حقيقية، لا إلى إقصاء أو استحواذ. بحاجة إلى مشروع جامع، لا إلى مشاريع ضيقة تُدار من خلف الستار. فالدولة التي يحلم بها الجنوبيون لن تُبنى على أساس التخوين، ولا على تصفية الحسابات، بل على أساس العدالة، وسيادة القانون، واحترام التعدد.
دبلوماسياً، من المهم أن يُقدَّم الجنوب للعالم كقضية عادلة، لا كصراع داخلي. وهذا يتطلب خطاباً متزناً، يرفض التطرف بكل أشكاله، ويؤكد أن الجنوب ليس ضد أحد، بل مع نفسه أولاً، ومع الاستقرار الإقليمي والدولي.
أما عاطفياً، فإن الألم الذي يحمله أبناء الجنوب لا يمكن إنكاره. هو ألم سنوات من التهميش، ومن محاولات طمس الهوية، ومن صراعات أنهكت المجتمع. لكن هذا الألم نفسه تحوّل إلى قوة دافعة، وإلى إصرار لا ينكسر على تحقيق الهدف.
في النهاية، الجنوب ليس ساحة لتصفية المشاريع، بل أرض شعبٍ يعرف ماذا يريد. وكل من يحاول أن يفرض نفسه بالقوة أو بالمراوغة، سيصطدم بحقيقة واحدة: أن إرادة الشعوب لا تُهزم، وأن الجنوب، مهما طال الطريق، ماضٍ نحو مستقبله الذي اختاره بوعيه، وصاغه بصبره، وحماه بتضحياته.