مداد العاصمة



ماذا بعد خروج الإمارات من أوبك؟

الثلاثاء - 28 أبريل 2026 - 09:36 م

ماذا بعد خروج الإمارات من أوبك؟

صوت العاصمة/خاص:

كتب : شحاته السيد

في صباح الـ 28 من أبريل 2026، لم يكن الخبر الذي خرج من أبوظبي مجرد تطور عابر في سوق الطاقة، ولا بياناً يمكن أن يمر في زحام الأخبار الاقتصادية اليومية، بل كان حدثاً يحمل من الدلالات ما يتجاوز صياغته المباشرة بكثير.

أعلنت الإمارات العربية المتحدة خروجها رسمياً من منظمة أوبك ومن تحالف أوبك بلس اعتباراً من الأول من مايو، لتفتح باباً واسعاً من الأسئلة حول مستقبل أحد أقدم التكتلات الاقتصادية في العالم، وحول قدرة المنظمة التي تأسست في بغداد عام 1960 على الاستمرار بذات الفلسفة في عالم تبدلت خرائطه ومصالحه وقواعده.
لم يعد السؤال متعلقاً بسبب الخروج وحده، بل بما سيترتب عليه، وبما إذا كانت أوبك تواجه مجرد اهتزاز جديد، أم بداية تحول أعمق في بنيتها ودورها.

▪️من الخطأ التعامل مع القرار الإماراتي بوصفه خلافاً فنياً حول حصص الإنتاج، أو قراءة عابرة مرتبطة بتباينات مؤقتة داخل التحالف. الدول لا تغادر هذه الأطر الكبرى بخفة، ولا تتخذ مثل هذه القرارات تحت تأثير انفعال طارئ.

▪️الإمارات لم تخرج من موقع ضعف، ولم تكن تبحث عن مظلة تنقذها من أزمة داخلية، بل تحركت وهي في موقع استثماري قوي، وبعد سنوات من توسيع قدراتها الإنتاجية وتعزيز حضورها في أسواق الطاقة. وحين تقرر دولة في هذا الموقع أن تغادر، فإن الرسالة لا تكون احتجاجاً، بقدر ما تكون إعلاناً عن مرحلة جديدة ترى فيها أن مصالحها يمكن أن تُدار بصورة أكثر اتساعاً خارج القيود الجماعية.

خلال السنوات الماضية، دفعت أبوظبي باستثمارات ضخمة في قطاع النفط عبر شركة أدنوك، واستهدفت رفع طاقتها الإنتاجية إلى خمسة ملايين برميل يومياً بحلول 2027، وهو رقم يكشف بوضوح حجم الرهان الذي تبنيه الدولة على دورها المستقبلي في السوق العالمية.
▪️وهنا ظهرت المفارقة الأساسية؛ فالدولة التي تنفق عشرات المليارات لتوسيع قدرتها الإنتاجية، يصعب عليها في الوقت نفسه أن تبقي جزءاً مهماً من هذه القدرة معطلاً أو مجمداً ضمن ترتيبات خفض جماعي لا تنظر بالضرورة إلى أولويات كل عضو بالمنظور ذاته. بين منطق الاستثمار ومنطق التكتل، كان لا بد أن تظهر لحظة مراجعة، ويبدو أن الإمارات اختارت أن تحسم هذه المراجعة بخطوة واضحة وصريحة.

ولا يمكن قراءة هذا التطور دون التوقف أمام المملكة العربية السعودية، بوصفها اللاعب الأكثر تأثيراً داخل أوبك تاريخياً، وصاحبة القدرة الأكبر على ضبط الإيقاع بين الأعضاء. الرياض كانت، طوال عقود، العمود الفقري للمنظمة، والجهة القادرة على تحمل أعباء الخفض حين تتطلب السوق ذلك، وعلى الدفاع عن مصداقية القرارات الجماعية حين تتعرض للاهتزاز.
▪️لكن خروج الإمارات يغيّر جزءاً مهماً من هذا التوازن، لأن أحد أكثر الشركاء وزناً وقدرة لم يعد داخل الدائرة. وهذا يعني أن العبء السياسي والاقتصادي في إدارة المنظمة قد يصبح أكثر ثقلاً على السعودية، في وقت تنفذ فيه المملكة مشاريع تحول اقتصادي كبرى تحتاج إلى استقرار العائدات النفطية، وإلى توازن دقيق بين حماية الأسعار والحفاظ على الحصص السوقية.

السؤال الذي سيظهر بقوة في الاجتماعات المقبلة لن يكون من يخفض فقط، بل من يتحمل الكلفة، ومن يملك رفاهية الانتظار، ومن يستطيع الاستمرار في دور الحارس الذي يضبط السوق نيابة عن الآخرين. وهذه أسئلة ليست تقنية كما تبدو، بل سياسية واقتصادية في جوهرها، لأنها تمس جوهر فكرة العمل الجماعي نفسه. فإذا شعرت الدول الكبرى أن الأعباء موزعة بشكل غير عادل، تبدأ مراجعات جديدة، وإذا بدأت المراجعات، دخل التكتل كله منطقة مختلفة من عدم اليقين.

▪️أما الأسواق، فهي بطبيعتها أكثر حساسية من الخطابات الرسمية. سوق النفط الحديثة لا تسعّر حجم البراميل فقط، بل تسعّر أيضاً درجة الانضباط داخل التحالفات المنتجة، ومستوى الثقة في قدرتها على تنفيذ ما تعلن. لهذا جاء التفاعل الأولي مع الخبر معبراً عن هذا المعنى؛ فالتراجع في الأسعار لم يكن سببه زيادة فورية في المعروض، بل تراجع في يقين السوق بشأن قواعد اللعبة المقبلة.
حين تهتز صورة أوبك بوصفها جهة قادرة على فرض التزام جماعي، تصبح الأسعار أكثر عصبية، وأكثر قابلية للتذبذب، وأكثر عرضة للتفاعل الحاد مع الشائعات والتقديرات المتضاربة.

▪️والأهم من أثر القرار المباشر، هو أثر المثال الذي يخلقه.

فقد سبقت الإمارات دول أخرى خرجت من المنظمة، مثل قطر والإكوادور وأنجولا، لكن وزن الإمارات مختلف تماماً. فهي ليست منتجاً هامشياً، ولا دولة خرجت تحت ضغط محدودية الإمكانات، بل لاعب يتمتع بقدرة مالية واستثمارية معتبرة، وبحضور دولي واسع. وحين تغادر دولة بهذا الحجم، فإن الرسالة التي تصل إلى العواصم الأخرى تكون أوضح: يمكن للدول القوية أن تدير مصالحها منفردة إذا رأت أن الكلفة داخل التكتل أعلى من الفائدة. هذه الرسالة، إذا ترسخت، قد تدفع أطرافاً أخرى إلى مراجعة حساباتها، ليس بالضرورة للخروج، لكن لإعادة التفاوض على قواعد البقاء.

▪️ومع ذلك، لا يبدو أن العالم مقبل بالضرورة على حرب أسعار مفتوحة أو انهيار شامل لفكرة التنسيق. الأرجح أن ما يجري هو انتقال من نموذج إلى آخر. النموذج القديم قام على فكرة التحالف الصلب، بحصص واضحة، وتفاهمات طويلة نسبياً، وانضباط نسبي في التنفيذ.

▪️أما النموذج الجديد، فيبدو أقرب إلى تنسيق مرن، تتحرك فيه الدول وفق مصالحها الوطنية أولاً، ثم تلتقي عند الحاجة على مساحات مشتركة إذا اقتضت ظروف السوق ذلك. هذا النموذج أكثر تعقيداً، وأقل قابلية للتنبؤ، لكنه ربما أكثر تعبيراً عن عالم تتراجع فيه ثقة الدول بالمؤسسات متعددة الأطراف، وتصعد فيه اعتبارات السيادة الاقتصادية.

▪️ولا يمكن تجاهل التوقيت الذي جاء فيه القرار لأن العالم يعيش مرحلة انتقالية مركبة؛ حديث واسع عن الطاقة النظيفة، لكن الطلب على النفط لا يزال مرتفعاً، وتقديرات كثيرة تشير إلى استمرار الحاجة إلى مستويات قوية من الاستهلاك لعقد أو أكثر.
وفي الوقت نفسه، تتزايد المنافسة بين المنتجين على تثبيت مواقعهم في الأسواق الآسيوية، وعلى استغلال ما يعتبره بعضهم السنوات الذهبية الأخيرة قبل أن يبدأ الطلب العالمي في التباطؤ الهيكلي.
في مثل هذا السياق، يصبح منطق تعظيم الحصة السوقية مفهوماً، بل متوقعاً. الدول التي استثمرت في زيادة إنتاجها لا تريد أن تملك القدرة فقط، بل أن تستخدمها أيضاً.

من هنا، يبدو القرار الإماراتي أقل ارتباطاً بالخلاف وأكثر ارتباطاً بالحسابات المستقبلية.
▪️أبوظبي لا تغادر سوق النفط، بل تعيد تموضعها داخله. وهي تراهن على أنها تملك من المرونة والقدرة المالية والعلاقات التجارية ما يسمح لها بإدارة هذا الانتقال دون خسائر استراتيجية كبرى. لكنها، في المقابل، ستواجه اختباراً مباشراً؛ فالمظلة الجماعية التي كانت تخفف بعض الضغوط لم تعد موجودة، وأي قرار إنتاجي ستتحمل نتائجه أمام السوق وحدها، صعوداً أو هبوطاً.

أما أوبك نفسها، فلن تختفي، ولن تتحول بين ليلة وضحاها إلى كيان بلا أثر. لأن المنظمة ما زالت تضم منتجين كباراً، وما زالت تملك قدرة معنوية وسياسية لا يُستهان بها. لكن ما سيتغير هو مستوى الهيبة، ومدى القدرة على الإقناع، وحدود النفوذ في سوق أصبحت أكثر تنوعاً، وأكثر ارتباطاً بالمنتجين من خارجها، وبالتحولات الجيوسياسية والتكنولوجية. التحدي الحقيقي أمام المنظمة لم يعد في جمع الأعضاء داخل قاعة واحدة، بل في إقناعهم بأن مصالحهم ما زالت تُدار أفضل وهم معاً، لا كلٌ بمفرده.

ما بعد خروج الإمارات من أوبك لن يكون مجرد تعديل في جداول الإنتاج، بل مراجعة لفكرة التنظيم النفطي ذاتها. السعودية ستظل لاعباً محورياً، لكن أعباءها ستزداد.

الإمارات ستكسب مساحة أوسع للحركة، لكنها ستدفع ثمن قراراتها مباشرة. والأسواق ستتعلم مرة أخرى أن النفط لا يُدار فقط بالبرميل، بل بالتوازنات والرسائل والثقة.

أما المنظمة التي تأسست قبل أكثر من ستة عقود لتجمع مصالح متشابهة، فهي تقف اليوم أمام سؤال أكثر صعوبة من سؤال الحصص والأسعار: هل ما زالت مصالح أعضائها متشابهة بالفعل، أم أن كل دولة بدأت تكتب مستقبلها وحدها؟

نقلا عن صفحة الكاتب في الفيسبوك:




الأكثر زيارة


حادثة غرق مأساوية في ساحل الحسوة بعدن تودي بحياة طفلين وإنقا.

الثلاثاء/28/أبريل/2026 - 01:07 م

خيّم الحزن على مدينة عدن، الإثنين، إثر حادثة غرق مأساوية شهدها ساحل الحسوة في منطقة إنماء الجديدة، وأسفرت عن وفاة طفلين، فيما تم إنقاذ ثلاثة آخرين، وس


غدا.. نقابة الصحفيين الجنوبيين تنظم فعالية حول دور الإعلام ف.

الإثنين/27/أبريل/2026 - 11:03 م

تستضيف نقابة الصحفيين والإعلاميين الجنوبيين في العاصمة عدن، يوم غدا الثلاثاء الموافق 28 أبريل 2026، فعالية إعلامية متخصصة بعنوان: «الإعلام في سياق الق


الرابع من مايو.. يوم القرار الجنوبي.

الثلاثاء/28/أبريل/2026 - 12:34 ص

يوم أربعة مايو.. معاً لأجل الوطن موعد محدد للقاء دون اعتذار ليس مجرد تاريخ في روزنامة النضال. هو موعد مع الكرامة موعد قطعناه على أنفسنا أن لا نخلفه ول


اللواء الجمالي ينفذ عدد من الزيارات ويؤكد: المرحلة المقبلة ع.

الثلاثاء/28/أبريل/2026 - 04:29 م

أكد اللواء الدكتور عبدالسلام الجمالي، قائد قوات الأمن الخاصة، أن المرحلة المقبلة ستشهد تركيزًا كبيرًا على مسارات التدريب والتأهيل وبناء مؤسسة أمنية حد