الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي… حين تحوّل التفويض إلى مشروع وطن
الأربعاء - 29 أبريل 2026 - 01:14 ص
صوت العاصمة/ بقلم / المعتصم خان
ايام قليلة وتحلّ علينا الذكرى التاسعة لإعلان عدن التاريخي، ذلك الحدث الذي لم يكن مجرد فعالية سياسية عابرة، بل لحظة مفصلية أعادت صياغة المشهد الجنوبي، ورسّخت معادلة جديدة عنوانها: حين تتجسد الإرادة الشعبية في قيادة، تتحول إلى مشروع وطن.
في الرابع من مايو 2017، خرجت الجماهير في عدن لتقول كلمتها بوضوح، مانحةً التفويض للرئيس عيدروس الزُبيدي - Aidroos Alzubidi ليكون الحامل السياسي لقضية شعب الجنوب، والمعبّر عن تطلعاته في استعادة دولته كاملة السيادة بحدود ما قبل العام 1990. لم يكن هذا التفويض تعبيرًا عاطفيًا عابرًا، بل تفويضًا سياسيًا مكتمل الأركان، استند إلى شرعية الشارع، ومهّد لمرحلة جديدة تمخض عنها تأسيس كيان سياسي جنوبي تمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي، كإطار للعمل المنظم والمؤسسي.
لقد شكّل إعلان عدن نقطة تحول من حالة التشتت السياسي إلى قدر من التماسك، ومن خطاب احتجاجي إلى مشروع سياسي فاعل نجح في فرض حضوره إقليميًا ودوليًا. ومنذ ذلك الحين، استطاع الجنوب أن يشق طريقه إلى المحافل الدولية، مستندًا إلى تمثيل سياسي واضح، ورؤية متقدمة نقلته من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة.
ورغم تعقيدات المرحلة، تمكن المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزُبيدي من مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، والحفاظ على صلابة التفويض الشعبي. وقد نجح في إفشال محاولات إضعاف هذا التفويض، سواء عبر تفريخ مكونات موازية، أو الالتفاف على الإرادة الشعبية الجنوبية، أو استخدام أدوات الضغط السياسي لإرباك المشهد، ليؤكد أن هذا التفويض لم يكن قرار نخبة، بل خيار شعب راسخ.
وعلى امتداد السنوات التسع، ترجم المجلس الانتقالي هذا التفويض إلى جملة من المكاسب السياسية، تمثلت في تعزيز الحضور الخارجي للقضية الجنوبية، وتكريسها كقضية سياسية قائمة بذاتها، إلى جانب العمل على تحسين الواقع الداخلي ضمن الإمكانات المتاحة، وتعزيز وحدة الصف الجنوبي في مواجهة التحديات.
إن التحدي الذي واجهه المجلس لم يقتصر على تثبيت الحضور السياسي، بل امتد إلى إدارة مرحلة معقدة بكفاءة، وتقديم نموذج يسعى إلى كسب ثقة المواطن بالتوازي مع توسيع دائرة التأثير الخارجي. وقد أظهر المجلس قدرة على التكيف مع التحولات، والعمل وفق أدوات سياسية واقعية تخدم المشروع الوطني الجنوبي.
وفي هذه الذكرى، تبرز أهمية البناء على ما تحقق من منجزات، وتعزيزها برؤية أكثر شمولًا، دون إغفال ضرورة التقييم المستمر للأداء. فالتفويض الشعبي يظل عقدًا سياسيًا وأخلاقيًا بين القيادة والشعب، أساسه الثقة، ومرتكزه الاستمرار في تحقيق الإنجاز.
ختامًا، يظل إعلان عدن علامة فارقة في تاريخ الجنوب، ليس فقط لأنه منح التفويض، بل لأنه أطلق مسارًا سياسيًا تُوّج بإنجازات ملموسة على الأرض وفي المحافل الدولية. وبينما تتجدد الذكرى، تتجدد معها المسؤولية في استكمال هذا المسار… حتى يتحول التفويض إلى دولة كاملة السيادة.