عودة المجلس الانتقالي بقيادة الرئيس الزبيدي .. تحوّل سياسي يعزز حضور قضية شعب الجنوب إقليمياً ودولياً
الجمعة - 01 مايو 2026 - 12:30 ص
صوت العاصمة/ تقرير/ مريم بارحمة
تشهد الساحة السياسية في الجنوب مرحلة مختلفة من التحول السياسي، عنوانها الأبرز عودة المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي إلى المشهد بزخم سياسي وشعبي أوسع من أي مرحلة سابقة، في وقت لم تعد فيه التحولات الجارية مجرد إعادة تموضع داخلي، بل أصبحت تعبيرًا واضحًا عن تغيرات أعمق في النظرة الإقليمية والدولية إلى قضية شعب الجنوب، وإلى طبيعة التوازنات الجديدة التي بدأت تفرض نفسها على واقع المنطقة بأسرها.
تعكس هذه العودة في جوهرها حقيقة سياسية لم يعد من السهل تجاوزها، وهي أن المجلس الانتقالي لم يعد مجرد إطار سياسي نشأ تحت ضغط مرحلة استثنائية، وإنما تحول إلى قوة سياسية راسخة استطاعت خلال سنوات قليلة أن تنتقل من مربع التأسيس إلى مربع التأثير، ومن مساحة الحضور المحلي إلى مساحة الاعتراف الإقليمي والدولي المتدرج، وهو ما منح حضوره السياسي أبعادًا أكثر اتساعًا وأكبر تأثيرًا في مجريات الأحداث.
تؤكد المعطيات الحالية أن عودة المجلس هذه المرة لا تشبه عوداته السابقة، لأن المشهد من حوله تغيّر، ولأن الوعي الدولي بطبيعة ما جرى في الجنوب خلال السنوات الماضية أصبح أكثر نضجًا، وأكثر فهمًا لحقيقة التحديات التي واجهها شعب الجنوب، وما تعرض له من استهداف سياسي وعسكري وأمني في أكثر من محطة، بما في ذلك الأحداث المؤلمة التي شهدتها حضرموت، والتي سقط فيها عدد من الجنود الأبرياء في ظروف تركت آثارًا عميقة في الوجدان الشعبي الجنوبي وفي قراءة كثير من العواصم الخارجية للمشهد برمته.
-يعيد المجلس صياغة حضوره السياسي
نجح المجلس الانتقالي الجنوبي خلال السنوات الأخيرة في إعادة صياغة حضوره السياسي بطريقة مختلفة عن البدايات الأولى، حين كان يُنظر إليه بوصفه تعبيرًا سياسيًا عن مرحلة اضطرارية فرضتها ظروف الحرب. أما اليوم، فقد أصبح المجلس أكثر تنظيمًا، وأكثر وضوحًا في مشروعه السياسي، وأكثر قدرة على مخاطبة الداخل والخارج بلغة متزنة تجمع بين الثبات الوطني والحكمة السياسية.
أدركت قيادة المجلس أن استمرار أي مشروع سياسي لا يقوم فقط على الشعبية الجماهيرية، بل يحتاج إلى خطاب عقلاني قادر على إقناع العواصم المؤثرة بأن قضية شعب الجنوب ليست مجرد مطلب سياسي مؤقت، وإنما مسألة مرتبطة بإرادة شعب وهوية وطنية ومسار تاريخي طويل من التضحيات والتحولات.
أسهمت هذه المقاربة في نقل المجلس من موقع رد الفعل إلى موقع الفعل السياسي المنظم، وهو انتقال بالغ الأهمية في عمر أي كيان سياسي، لأن الفارق بين الحضور المؤقت والحضور المستدام يكمن في القدرة على تحويل المطالب الشعبية إلى مشروع سياسي قابل للحياة في الداخل وقابل للفهم في الخارج.
-تعزز الشعبية حضور المجلس في الداخل
ازدادت شعبية المجلس الانتقالي الجنوبي في الداخل الجنوبي بصورة لافتة خلال المرحلة الأخيرة، نتيجة تراكمات سياسية وميدانية دفعت قطاعات واسعة من أبناء الجنوب إلى إعادة تقييم المشهد بصورة مختلفة. فقد بات كثير من المواطنين ينظرون إلى المجلس باعتباره الكيان الأكثر قدرة على تمثيل تطلعاتهم السياسية، والأكثر وضوحًا في التعبير عن مصالحهم الوطنية.
جاءت هذه الشعبية المتنامية نتيجة شعور متزايد لدى الشارع الجنوبي بأن المجلس حافظ على ثبات مواقفه رغم الضغوط، ولم ينخرط في مساومات سياسية أفقدت كثيرًا من القوى الأخرى رصيدها الشعبي، بل ظل محافظًا على خطاب متزن يربط بين المطالب الوطنية ومتطلبات الواقع السياسي.
منحت هذه القاعدة الشعبية المجلس قوة إضافية، لأن أي حضور خارجي لا يكتسب معناه الحقيقي ما لم يكن مستندًا إلى شرعية داخلية واضحة، وهو ما يبدو أكثر حضورًا اليوم في علاقة المجلس بجمهوره، وفي حجم الالتفاف الشعبي الذي يرافق قيادته في مختلف محافظات الجنوب.
-يفرض الدعم الإقليمي واقعًا جديدًا
شهدت علاقة المجلس الانتقالي بعدد من القوى الإقليمية تطورًا ملحوظًا خلال الفترة الماضية، في ضوء إدراك متزايد بأن الجنوب لم يعد مجرد ملف جانبي ضمن الأزمة اليمنية، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في معادلة الأمن والاستقرار الإقليمي.
أدركت عواصم مؤثرة في المنطقة أن تجاهل الحضور الجنوبي المنظم لم يعد ممكنًا، وأن المجلس بات يمتلك من أدوات التأثير ما يجعله طرفًا رئيسيًا في أي ترتيبات مستقبلية تخص الجنوب أو ترتبط بمستقبل اليمن عمومًا.
فرضت التطورات الميدانية والسياسية على القوى الإقليمية إعادة النظر في كثير من الحسابات السابقة، خصوصًا بعد أن أثبت المجلس أنه قادر على الجمع بين الثبات السياسي والانفتاح الدبلوماسي، وهي معادلة تمنح أي طرف سياسي مساحة أوسع للحركة في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ساهم هذا الإدراك في توسيع مساحة التواصل السياسي مع المجلس، وفي تعزيز حضوره بوصفه شريكًا يمكن التعامل معه ضمن رؤية أوسع للاستقرار في المنطقة، لا سيما في ظل موقع الجنوب الحيوي المطل على خطوط الملاحة الدولية.
-يتفهم الغرب طبيعة ما جرى في الجنوب
بدأت دول أوروبية عدة، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة، تنظر بصورة أكثر عمقًا إلى ما حدث في الجنوب خلال السنوات الماضية، بعد أن اتضحت أمامها كثير من التفاصيل التي كانت غائبة أو مشوشة في السابق.
أدركت هذه الدول تدريجيًا أن ما جرى لم يكن مجرد خلاف سياسي محدود، بل كان سلسلة من الأحداث التي كشفت عن حجم التعقيدات التي تعرض لها الجنوب، وعن حجم التحديات التي واجهت أبناءه في سياق سياسي وأمني بالغ الحساسية.
أظهرت التطورات الأخيرة أن بعض العواصم الغربية بدأت تفهم أن ما حدث من استهداف للجنود الأبرياء في حضرموت لم يكن حدثًا عابرًا في سياق أمني مضطرب، بل شكل لحظة فارقة دفعت كثيرًا من الأطراف الدولية إلى إعادة قراءة المشهد بطريقة أكثر توازنًا وواقعية.
غيّر هذا الفهم الجديد جزءًا مهمًا من النظرة الدولية إلى المجلس، إذ لم يعد يُنظر إليه باعتباره مجرد مكوّن محلي، بل كطرف سياسي يمتلك شرعية شعبية، ورؤية واضحة، وحضورًا فعليًا على الأرض.
-يقود الزبيدي مرحلة أكثر نضجًا
برز الرئيس عيدروس الزبيدي خلال المرحلة الراهنة كأحد أكثر الشخصيات السياسية الجنوبية قدرة على إدارة التوازنات الدقيقة بين الداخل والخارج، وبين الثبات الوطني ومتطلبات العمل السياسي والدبلوماسي.
امتلك الزبيدي قدرة واضحة على مخاطبة المجتمع الدولي بلغة هادئة لا تتخلى عن الثوابت، وفي الوقت ذاته لا تصطدم مع مقتضيات العمل السياسي الحديث، وهو ما منح المجلس صورة أكثر اتزانًا في نظر العواصم الخارجية.
ساعدت شخصية الزبيدي السياسية في ترسيخ صورة المجلس بوصفه كيانًا يقوده رجل دولة يفهم طبيعة اللحظة، ويدرك أن النجاح في السياسة لا يتحقق فقط عبر المواقف الصلبة، بل عبر حسن إدارة اللحظة السياسية وتوظيفها لصالح المشروع الوطني.
عززت هذه القيادة المتوازنة من مكانة المجلس داخليًا، لأن جمهور الجنوب بات يرى في الزبيدي شخصية قادرة على تمثيل تطلعاته سياسيًا، وفي الوقت نفسه إدارة علاقات معقدة دون التفريط بالموقف الوطني.
-تكشف التحولات حجم التبدل الدولي
أفرزت المرحلة الأخيرة مؤشرات سياسية تؤكد أن المجتمع الدولي بدأ يتعامل مع قضية شعب الجنوب بوصفها مسألة سياسية مستقلة في جوهرها، وليست مجرد تفصيل فرعي داخل الأزمة اليمنية العامة.
دفعت التحولات الميدانية والسياسية كثيرًا من صناع القرار إلى مراجعة مواقف سابقة كانت تقوم على تجاهل الحقائق الجديدة التي فرضتها الوقائع على الأرض.
أصبحت بعض الدول الغربية أكثر اقتناعًا بأن أي مقاربة سياسية لا تأخذ بعين الاعتبار الإرادة الشعبية في الجنوب ستظل مقاربة ناقصة، وغير قابلة لإنتاج استقرار طويل الأمد في المنطقة.
منح هذا التحول المجلس مساحة أوسع للتحرك سياسيًا، وفتح أمامه نوافذ جديدة لإيصال رسالته إلى دوائر القرار المؤثرة.
-تفرض المرحلة مسؤوليات أكبر
تحمل عودة المجلس الانتقالي بهذه القوة مسؤوليات سياسية أكبر من أي وقت مضى، لأن ارتفاع سقف التوقعات الشعبية يضع القيادة أمام اختبار جديد يتعلق بقدرتها على تحويل الدعم المتزايد إلى نتائج سياسية ملموسة.
تتطلب المرحلة المقبلة إدارة دقيقة للعلاقات الإقليمية والدولية، بما يضمن استمرار الدعم دون المساس بالثوابت الوطنية التي تشكل جوهر مشروع المجلس.
تفرض طبيعة التحولات الراهنة على المجلس أن ينتقل من مرحلة تثبيت الحضور إلى مرحلة تعظيم المكاسب السياسية، وهو تحدٍ لا يقل أهمية عن التحديات التي واجهها في مرحلة التأسيس.
تحتاج هذه المرحلة إلى خطاب أكثر نضجًا، ومؤسسات أكثر فاعلية، ورؤية أكثر قدرة على استثمار المتغيرات الإقليمية والدولية في خدمة قضية شعب الجنوب.
-ترسم العودة ملامح مرحلة جديدة
ترسم عودة المجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس القائد عيدروس الزبيدي ملامح مرحلة سياسية مختلفة في الجنوب، عنوانها اتساع الحضور الشعبي، وتنامي الاعتراف الإقليمي، وتعزز الفهم الدولي لطبيعة ما جرى خلال الفترة الماضية.
تؤسس هذه العودة لمرحلة يمكن أن يصبح فيها المجلس لاعبًا أكثر تأثيرًا في صياغة مستقبل الجنوب، لا باعتباره طرفًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره حاملًا لمشروع وطني بات أكثر وضوحًا في الداخل وأكثر فهمًا في الخارج.
تعكس هذه اللحظة السياسية أن الجنوب لم يعد مجرد ساحة تتلقى نتائج الصراعات، بل أصبح طرفًا فاعلًا في تشكيل معادلات المرحلة المقبلة.
تؤكد الوقائع أن المجلس الانتقالي الجنوبي يعود اليوم بقوة أكبر، وشعبية أوسع، ودعم إقليمي ودولي أكثر رسوخًا، وهو ما يجعل المرحلة القادمة واحدة من أكثر المراحل أهمية في تاريخ قضية شعب الجنوب، وسط إدراك متزايد بأن الجنوب بات حاضرًا في حسابات الإقليم والعالم بصورة لا يمكن تجاهلها أو تجاوزها