الصورة التي زلزلت كيان الاحتلال
الثلاثاء - 05 مايو 2026 - 09:08 م
صوت العاصمة/خاص:
كتب : د. يحيى شايف ناشر الشعيبي
حين تتحول الصورة إلى جبهة حرب ، وتصبح السارية ميدانا لزحف العساكر ، فإننا لا نقف أمام حدث عسكري عابر، بل نصبح أمام تجل فلسفي عميق ينزع القناع عن جوهر السلطة الطارئة ويثبت هوية الرمز وتخليده .
ففي الفلسفة السياسية لا تمثل الصورة مجرد انعكاس فيزيائي للملامح ، بل هي عبارة عن مكثف وجودي تختزل فيه الجماعة البشرية آمالها ،وتاريخها، وسيادتها.
الرئيس القائد عيدروس قاسم الزبيدي رئيس المجلس الانتقالي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية في سارية الساحة لم يكن رمزا مجردا، بل تحول عبر الصورة إلى فكرة متعالية عن الزوال.
فعندما زحفت قوى الطغاة فجرا مدججة بالسلاح ، كانت تحاول صياغة معادلة مستحيلة تمثلت في محاولة إعدام المعنى بواسطة المادة.
إن السلاح يمكنه قتل الجسد ، لكنه يقف عاجزا ومقيدا أمام الرمز ، لأن الرمز لا يشغل حيزا في الفضاء الفيزيائي بل يشغل حيزا في وعي الجماهير .
إن حركة التسلل خلسة في عتمة الفجر تحمل دلالة فلسفية صارخة على ما يعرف في فلسفة القوة بـ (هشاشة الجبروت) فالطاغية لا يخشى الحاضر ، بل يرتعب من الأثر الذي يذكره دائما بنهايته الحتمية.
ولهذا فان اختيار الفجر للتسلل هو اعتراف فلسفي بـ ( لا شرعية الوجود) لقوى الاحتلال اليمني المدعوم سعوديا ،لأن الشرعية الوجودية تمشي في وضح النهار، أما الانتهاك فيتحرك في الظلام خوفا من المواجهة مع الحقيقة.
إن إنزال الصورة يعكس رعبا سيكولوجيا؛ فوجود ملامح القائد فوق السارية كان يمارس نوعا من الرقابة الوجودية على الاحتلال ، يذكرهم في كل لحظة بأنهم عابرون، وأن الأرض تنطق بلغة غير لغتهم. لذلك كان إنزال الصورة محاولة بائسة لطمس الوعي .
وفي هذه الخطوة تتجلى عبثية الطغيان من خلال المفارقة العكسية ، ولهذا فقد أرادوا بإنزال الصورة تغييب الرئيس، فجعلوا من غيابه الفيزيائي فوق السارية حضورا أكثر صخبا وتأثيرا في الفكر والمشاعر والوجدان الجمعي للشعب الجنوبي
إن حشد الأسلحة لإنزال قطعة قماش هو بمثابة إعلان رسمي عن الهزيمة النفسية أمام الرمز.
كما أن التسلل خلسة وتحت جنح الظلام دلالة على أن القوة المادية مجرد غلاف خارجي لكيان هش.
ولهذا فإن إخلاء السارية من الصورة هو بمثابة تحويل للساحة بأكملها إلى فكرة مجردة تسكن وعي كل مواطن.
وبهذه النهاية المفلسة إخلاقيا سقط الطغاة في فخ النسخ المتكررة، ولاسيما حين ظنوا أن السيادة تنزع كما تنزع اللوحات ، ولم يدركوا أن الرئيس عيدروس الزبيدي عبر هذه الحادثة ، قد تحول من قائد يملك صورة إلى
صورة تملك وطنا.
إنها معركة تكشف بوضوح : كيف يمكن لـ اللاشيء المدجج بالسلاح أن يرتعد ويقشعر خوفا أمام الكل المختزل في إطار صورة تعبر عن رمزية القائد المفوض من قبل شعبه لقيادة النضال حتى استعادة الدولة الجنوبية بحلتها الفدرالية الجديدة
د. يحيى شايف ناشر الشعيبي
باحث ومحلل أكاديمي