عدن .. حين تضيق الأرض بالحشود وتتسع للوطن
الأربعاء - 06 مايو 2026 - 12:31 ص
صوت العاصمة/ كتب/ عبدالسلام محمد قاسم
لم تكن عدن في هذا اليوم مدينةً عادية… بل مشهداً يتجاوز الجغرافيا، ويكتب نفسه بلغة الشعوب حين تقرر أن تقول كلمتها دفعةً واحدة.
هنا، لم تكن الحشود مجرد أرقام، بل أمواجاً بشرية متلاحقة، تتدفق كالسيل، تهدر كالعاصفة، وتعلن أن الصوت حين يكون صادقاً… لا يمكن احتواؤه.
امتلأت الشوارع، واتسعت الساحات، حتى بدا المشهد وكأن الأرض تضيق بمن عليها، فيما يتسع الوطن في القلوب أكثر من أي وقت مضى. وجوهٌ جاءت من كل الاتجاهات، وخطىً التقت عند معنى واحد: أن الأوطان لا تُستعاد بالانتظار، بل تُصان بالفعل، وتُحمى بالإرادة.
وفي ذروة هذا المشهد، حين استمعت الجموع الغفيرة إلى كلمة الرئيس عيدروس الزبيدي، لم يكن الصوت صادراً من المنصة وحدها… بل من القلوب التي سبقته بالتصديق.
هتفت الجماهير باسمه في لحظةٍ بدت وكأنها موجة واحدة، تتصاعد من الأعماق، وتملأ الفضاء ثقةً وترقباً.
كان الهتاف أكثر من تحية… كان إعلاناً عن استبشارٍ جماعي، وشعورٍ بأن الأمل، الذي أثقلته السنوات، قد عاد يلوح في الأفق من جديد.
في هذه اللحظة الفارقة، سقطت كل الأقنعة دون حاجة إلى صخب.
فلا مكان لناقضي العهود، ولا ظلّ لمن استبدلوا القيم بالمصالح. هنا فقط، تُقاس المواقف بصدقها، لا بضجيجها؛ وتُعرف الرجال بثباتهم، لا بشعاراتهم.
عدن لم تستقبل حشوداً… بل احتضنت موقفاً.
موقفٌ يقول إن الشعوب حين تنهض، تعيد ترتيب صفوفها بنفسها، وتمنح الشرعية لمن يستحقها، وتسحبها ممن فرّط بها. فالبقاء، كما أثبت هذا المشهد، ليس للأكثر نفوذاً… بل للأكثر وفاءً.
ومن عدن، لم يكن النداء محصوراً في حدودها، بل امتد نبضاً يصل إلى المهرة أفقاً، ويعلو مع نقاء باب المندب عزّةً، حيث تتعانق أمواج بحر العرب والبحر الأحمر، وتزهر سقطرى كحلمٍ عصيّ على الانكسار.
هو مشهد يولد من جبال الجنوب،
ويجري في عروق الهضاب،
ويتنفّس من عمق الوديان،
ويكتب اسمه على رمال الصحارى… إرادةً لا تُهزم.
إنه صباح شعبٍ لم ينتظر فجره… بل صنعه.
أشعل نوره من صبره، ووقف ليقولها واضحة لا لبس فيها:
من هنا بدأنا… ومن هنا سننتصر.
مع تحيات/ عبدالسلام محمد قاسم