الهوية الجنوبية بين عمق التاريخ وفخ “اليمننة
السبت - 09 مايو 2026 - 12:49 ص
صوت العاصمة/ بقلم / محمد علي رشيد النعماني
لم تكن السطور التي خطّها عبدالرحمن أنيس، مجرد نقاش تاريخي عابر أو قراءة بريئة لأحداث الماضي، بل هي في جوهرها هجوم سياسي ناعم يستهدف بصورة مباشرة ومبطنة مشروعية التحول الطبيعي نحو استعادة الهوية العربية للجنوب. إن محاولة تأطير هذا النقاش ضمن قوالب تاريخية منقوصة تتطلب رداً تحليلياً يوضح المغالطات الكامنة فيه، ويكشف الأبعاد السياسية التي تقف خلف هذا الطرح.
تعتمد الرواية المطروحة على مغالطة أساسية تتمثل في محاولة حصر مسمى “الجنوب العربي” وربطه حصرياً بتجربة “اتحاد إمارات الجنوب العربي” التي رعتها الإدارة البريطانية بين عامي 1959 و1967، وكأن الهوية الجنوبية لم تكن موجودة قبل تلك المرحلة. هذا الطرح يتجاهل حقيقة تاريخية واضحة مفادها أن الجنوب العربي يمثل هوية جغرافية وتاريخية وثقافية أوسع بكثير من أي مشروع سياسي مؤقت أو صيغة إدارية ارتبطت بفترة الاستعمار.
كما أن الادعاء بأن ثورة 14 أكتوبر قامت لإسقاط مفهوم “الجنوب العربي” يمثل قراءة انتقائية للتاريخ؛ فالثورة قامت أساساً من أجل التحرر الوطني وإنهاء الاستعمار البريطاني، لا من أجل إلغاء الهوية الجنوبية أو استبدالها بهوية أخرى. أما التحولات التي شهدتها مرحلة ما بعد الاستقلال فقد جاءت في سياق صعود التيارات القومية والاشتراكية آنذاك، والتي فرضت رؤيتها السياسية والأيديولوجية على حساب الهوية الوطنية التاريخية للجنوب.
ولا يمكن فصل هذا الخطاب عن السياق السياسي الراهن، إذ تبدو الأهداف التكتيكية واضحة في محاولة خلق حالة من التشكيك والانقسام داخل الساحة الجنوبية، عبر تصوير العودة إلى الهوية العربية الجنوبية وكأنها تهديد للمنجز الوطني الذي تحقق في 30 نوفمبر 1967. بينما الحقيقة أن استعادة الهوية الجنوبية لا تلغي منجز الاستقلال، بل تسعى إلى حمايته من التوظيف السياسي الذي أدى لاحقاً إلى تذويب خصوصية الجنوب داخل مشاريع أخرى أضعفت حضوره السياسي والوطني.
إن الفهم السياسي المعاصر للقضية الجنوبية يقتضي التفريق بين “الوعاء السياسي” و”الهوية التاريخية”. فجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كانت مرحلة سياسية ارتبطت بظروف زمنية وأيديولوجية معينة، بينما يظل الجنوب العربي إطاراً جغرافياً وتاريخياً وهوية متجذرة لا ترتبط بنظام حكم أو مرحلة سياسية بعينها. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن استعادة الهوية الجنوبية لا يعني إلغاء التاريخ أو التنكر لمحطات النضال الوطني، بل يمثل محاولة لتصحيح مسار تاريخي تعرض لتحولات قسرية أدت إلى ما يعتبره كثير من الجنوبيين عملية “يمننة” سياسية وثقافية امتدت لعقود.
كما أن التمسك بمسمى “الجنوب العربي” لا يقتصر على الجانب الرمزي أو العاطفي، بل يحمل أبعاداً سياسية وقانونية مهمة. فالقوى المناوئة للقضية الجنوبية كثيراً ما تستند إلى مفهوم “الوحدة اليمنية” لتبرير استمرار الوصاية السياسية على الجنوب، بينما يمنح استحضار الهوية الجنوبية المستقلة مساحة أوسع لإعادة تعريف القضية باعتبارها قضية شعب وهوية وتاريخ سياسي مستقل، وليس مجرد خلاف داخلي بين طرفين داخل دولة واحدة.
وفي السياق ذاته، فإن الإصرار على اختزال الجنوب في إطار “اليمن الديمقراطية” فقط يبقي القضية الجنوبية محصورة ضمن السردية اليمنية التقليدية، في حين أن استعادة مفهوم الجنوب العربي يفتح المجال لإعادة تقديم القضية سياسياً وتاريخياً بصورة أكثر استقلالية ووضوحاً أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.
خلاصة القول إن استعادة الهوية الجنوبية المستقلة لا تمثل ارتداداً عن المنجزات الوطنية، بل محاولة لإعادة بناء الوعي الوطني الجنوبي على أساس تاريخي وجغرافي أكثر رسوخاً، بما يحفظ خصوصية الجنوب ويمنع تذويب قضيته داخل مشاريع سياسية أثبتت التجربة أنها لم تنجح في تحقيق شراكة متوازنة أو هوية جامعة مستقرة