الشهيد عاطف مجمل النسري.. مسيرة كفاح من جبال يافع إلى ميادين الشرف في عدن
السبت - 09 مايو 2026 - 11:25 م
صوت العاصمة/ يافع
في سجل النضال الجنوبي، تبرز أسماء صنعت حضورها من عمق المعاناة، لا من رفاهية الظروف، بل من رحم القسوة والحرمان. ومن بين تلك الأسماء يبرز الشهيد المناضل عاطف مجمل سند ناصر الجيلاني النسري، الذي شكّلت حياته نموذجًا لإنسان اختار طريق الكفاح مبكراً، فكان حاضرًا في مواجهة الاستعمار البريطاني، ثم في بناء المؤسسة العسكرية، وصولاً إلى معارك الدفاع عن عدن عام 1994م، حيث ارتقى شهيداً وهو يؤدي واجبه في الميدان.
وُلد عاطف مجمل سند الجيلاني النسري عام 1940م في قرية جرادة بمديرية سرار يافع كلد، في مرحلة اتسمت بالقسوة وشحّ الإمكانيات. فقد نشأ يتيم الأبوين، ما اضطره منذُ سن مبكرة إلى تحمل مسؤولية نفسه وأخيه الأصغر في ظروف معيشية شديدة الصعوبة. وأسهمت هذه النشأة في تشكيل شخصيته التي اتسمت بالصلابة والانضباط والقدرة على مواجهة الحياة بعزيمة ثابتة.
مع تصاعد الحركة الوطنية في ستينيات القرن الماضي، التحق الشهيد بصفوف الجبهة القومية عام 1965م، مشاركاً في الكفاح المسلح ضد الاستعمار البريطاني في عدد من مناطق الجنوب. وخلال تلك المرحلة خاض مهاماً قتالية وتنظيمية، وتعرض للإصابة في إحدى المواجهات، غير أن ذلك لم يوقف مسيرته، بل زاده إصراراً على مواصلة النضال.
وبعد إعلان الاستقلال عام 1967م، انتقل إلى مرحلة جديدة بالانخراط في المؤسسة العسكرية، حيث التحق بلواء 22 مدفعية عام 1971م، وتمركز في المحور الشرقي بمحافظة المهرة، وظل في الخدمة حتى عام 1994م. وقد تميز خلال هذه الفترة بالانضباط والجدية، وتدرج حتى نال رتبة ملازم ثاني تقديراً لكفاءته والتزامه.
ومع اندلاع حرب صيف 1994م، كان ضمن أفراد اللواء الذين تحركوا من مواقعهم في المهرة باتجاه العاصمة عدن للمشاركة في الدفاع عنها. وخاض مع رفاقه معارك عنيفة في ظروف ميدانية بالغة الصعوبة، حتى أواخر يونيو من العام نفسه، حيث ارتقى شهيدًا أثناء أداء واجبه في الدفاع عن عدن.
وعُرف الشهيد خلال حياته بحسن الخلق والصدق والتواضع، وكان محل احترام واسع بين زملائه وأبناء منطقته، لما اتصف به من انضباط وروح مسؤولية عالية. كما كان متزوجاً وأباً لأربعة أبناء، عاش بينهم حياة بسيطة فرضت عليها طبيعة العمل العسكري فترات غياب طويلة.
ويُعد الشهيد عاطف النسري أحد المناضلين الذين حملوا السلاح في مواجهة الاستعمار، ثم واصل مسيرته في المؤسسة العسكرية، قبل أن يختتم حياته في واحدة من أكثر محطات الصراع قسوة في تاريخ البلاد الحديث. لقد جمع في مسيرته بين النضال المبكر والانضباط العسكري والتضحية النهائية، ليبقى اسمه حاضراً في ذاكرة من عرفوه، وفي سجل من قدّموا أرواحهم دفاعاً عن قناعاتهم.رحم الله الشهيد وأسكنه فسيح جناته، وإنا لله وإنا إليه راجعون.