تتمة القول في مسألة الهوية: دحض الافتراءات حول توجهات الانتقالي الأخيرة
الأحد - 10 مايو 2026 - 12:38 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
الحاقا بمقالي السابق بخصوص الهوية الجنوبية ولمزيد من التوضيح في ظل محاولات النقد الموجه للمجلس الانتقالي الجنوبي بغير حق يجد المرء نفسه ملزما بكشف الغطاء عن حقائق الوجود السياسي التي لا تعترف بالعواطف بل تخضع لمنطق القوة والوضوح والتمايز الجغرافي والسياسي الصرف حيث ان الحكمة تقتضي ان لا تترك الامور للصدف او للالتباس الذي يستغله الخصوم لتقويض دعائم السيادة المشروعة فالمجلس الانتقالي الجنوبي حين اقدم على اضافة صفة العربي الى مسمى كيانه ليصبح المجلس الانتقالي للجنوب العربي لم يبتدع شيئا من العدم ولم يقترف جرما سياسيا كما يروج الواهمون بل قام بفعل ضروري لاستعادة الجوهر الاصيل الذي طمسه التراكم الزمني والهويات المستعارة التي فرضت في لحظات تاريخية غاب فيها الوعي الاستراتيجي الخالص ولعل من الواجب القول بان صفة الجنوبي وحدها كانت تحمل دلالات كافية لمن يعي حقائق الجغرافيا وتاريخ البشر اذ ان هذه المنطقة التي غامرت بالدخول في وحدة مع الجمهورية العربية اليمنية عام تسعين وتسعمئة والف للميلاد تقع في الطرف الاقصى لجنوب الوطن العربي الذي اشتق منه الاسم والهوية والمنطق والمصير وحين يشير العقل السياسي الحصيف الى الجنوب العربي فان الادراك يذهب مباشرة وبلا مواربة الى تلك الرقعة التي سميت زورا وبهتانا بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية قبل ارتماء الدولة في حضن الوحدة المشؤومة انفاذا لمصالح ايديولوجية لم تضع في حسبانها مآلات الابتلاع السياسي والفكري فاليمن في حقيقة الامر ليس سوى اسم لجهة جغرافية واسعة تقع الى يمين الكعبة المشرفة وفق التقسيمات العربية القديمة ولم يكن في اصله اسما لدولة سياسية واحدة محددة الحدود والسيادة بل هو فضاء يتسع لكل الكيانات الواقعة في مداره ويحق لكل دولة تستقر في هذا النطاق ان تستخدم هذا الوصف الجغرافي دون ان يعني ذلك بالضرورة ذوبانها في كيان سياسي واحد او وجوب توحدها مع غيرها من الاقاليم المجاورة لان اسم الجهة لا يمنح حقا لاحد بالملكية السياسية المطلقة او التبعية القسرية فاليمن يشبه الشام تماما حيث ان الشام تعبير عن تلك الجهة الواقعة الى الشمال من الكعبة وتضم تحت عباءتها دولا وكيانات شتى لا يربطها رباط سياسي موحد ولا يفرض عليها الموقع الجغرافي الانصهار في بوتقة دولة واحدة وكذلك هو حال المغرب العربي الذي يجمع دولا عدة كليبيا وتونس والجزائر وموريتانيا والمغرب الاقصى فهي جميعا تشترك في جهة جغرافية وهوية قومية واحدة لكنها تحتفظ باستقلال سياسي تام وسيادة لا تقبل الجدل ومن هنا فان سكان منطقة الجنوب العربي يملكون الحق المطلق والشرعي في اختيار المسمى الذي يعبر عن هويتهم الثقافية والسياسية والجغرافية الجامعة بعيدا عن التداخل المربك الذي تسببه الاسماء المتشابهة التي تؤدي الى خلط الاوراق والغاء التمايز الوطني المطلوب اذ لا يستقيم عقلا ان تستمر تسمية الجنوب العربي باليمن في وقت حازت فيه دولة اخرى هذا المسمى واحتكرته كعنوان سياسي لها مما يجعل وجود دولتين بنفس الاسم امرا يبعث على الارتباك ويطمس الهوية الوطنية الخاصة لكل شعب فالجنوب العربي اسم ازلي ثابت وهوية راسخة لا تهزها الرياح العاتية ولا تغيرها التسميات السياسية الطارئة لانه يستمد شرعيته من الموقع الجغرافي الدائم الذي لا يتبدل بتبدل الانظمة او القناعات الايديولوجية المتغيرة ولسنا مضطرين باي حال من الاحوال لان نرهن مستقبلنا وتسمية دولتنا القادمة باسم اليمن في حين نملك اسما اصيلا يدل علينا وعلى تميزنا الوطني وهو الجنوب العربي الذي يتمركز في قلب الوجدان العربي الجنوبي وبما ان الكيان المسمى بجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كان قد زال تماما وانحل انحلالا كاملا في جسد الجمهورية العربية اليمنية بموجب اتفاقيات الوحدة التي انتهت بالاحتلال فان استعادة تلك الهوية السياسية بعينها اصبح من المستحيلات التاريخية والمنطقية لان تلك الهوية ذابت بقرار سياسي جنوبي طوعي قبل ان يسقط الجنوب تحت وطأة الاحتلال العسكري اليمني واليوم ونحن نخوض غمار النضال من اجل استعادة دولتنا المحتلة فان الغاية لا تنحصر في بعث مسمى سياسي اندثر وانحل بل تنصب على استعادة الدولة كعنصر ثابت ومستقر بغض النظر عن القالب السياسي الذي ستتخذه عند استقلالها اذ يجب على العقلاء والساسة والجمهور ان يفرقوا تفريقا حاسما بين الدولة ككيان وجودي ثابت وبين الهوية السياسية كاطار تنظيمي متغير فالدولة هي الاصل الذي لا يقبل الزوال اما الانظمة والهويات السياسية فهي اعراض تتبدل بتبدل الظروف والمصالح فالدولة قد تلبس رداء الملكية او الجمهورية او الاشتراكية او الديمقراطية او الشمولية او الفيدرالية دون ان تفقد جوهرها الوجودي كدولة والمجلس الانتقالي الجنوبي حين اعلن عن تصحيح اسمه ليتوافق مع الحقيقة التاريخية والجغرافية لهوية الجنوب كان يمارس فعلا سياديا صحيحا وشجاعا ومع انه لم يغير اسم الدولة رسميا كونها ما تزال ترزح تحت نير الاحتلال اليمني الا انه يملك كل الحق في رسم ملامح المستقبل ومنح الدولة القادمة الاسم الذي يستحقه الشعب الذي فوضه لاستعادة السيادة وبناء نظام سياسي لا صلة له باليمن وتبعاتها والذين يسكبون جام غضبهم ونقدهم على المجلس الانتقالي لهذا التعديل الواضح يتناقضون مع انفسهم حين يطلقون مسميات مثل دولة الجنوب الفيدرالية فبأي منطق يرفضون تصحيحا لاسم كيان سياسي هو سيد قراره الداخلي ويحق له تغيير لائحته ومنطقه واسمه التنظيمي في اي وقت بينما يفرضون على الدولة القادمة توصيفا دستوريا مثل الفيدرالية التي تتطلب بالضرورة استفتاء شعبيا شاملا واجماعا وطنيا لا يملكه احد في مرحلة التحرر فالحديث عن فيدرالية الدولة قبل استعادتها هو الخطأ الدستوري الفادح والقفز على ارادة الشعب بينما تعديل اسم المجلس هو تصحيح لمسار تاريخي واعادة الامور الى نصابها الصحيح الذي لا يقبل المزايدة او التأويل فالمجلس الانتقالي للجنوب العربي هو التعبير الادق عن طموحات هذا الشعب وتطلعاته نحو الخلاص والحرية بعيدا عن عباءة اليمننة التي لم تجلب للجنوب سوى الويلات والدمار والضياع ومن هنا يتضح ان الهوية الجنوبية هي فعل وجودي مستمر لا ينقطع بمجرد تغيير العناوين السياسية بل يتجذر في الارض والتاريخ والانسان الذي يأبى ان يكون ملحقا بغيره او تابعا لمن لا يشبهه في الثقافة والمنطق والتوجه ولذا فان الخطاب السياسي الرصين يجب ان يبتعد عن المهاترات السطحية وينفذ الى لب القضية التي تكمن في استعادة الدولة كاملة السيادة بمسماها التاريخي الذي يعكس حقيقتها العربية وجذورها الضاربة في اعماق الزمن دون مواربة او خوف من نقد العاجزين الذين لا يملكون سوى التنظير في غرفهم المغلقة بينما الواقع يصاغ بدماء الاحرار وتضحياتهم الجسيمة في ميادين الشرف والكرامة التي لا تقبل انصاف الحلول او التراجع عن الهدف السامي الذي رسمته الجماهير وفوضت لاجله قيادتها السياسية لتمضي نحو الاستقلال الناجز وبناء الدولة التي تليق بتضحيات الشعب وتاريخه العريق الذي حاول البعض طمسه عبر عقود من التضليل الممنهج والالحاق القسري الذي لفظه الجنوبيون بكل فئاتهم ومكوناتهم الحية التي تدرك تماما ان الحرية تبدأ من وضوح الهوية واستقامة المسمى وصدق التوجه نحو المستقبل بخطى ثابتة ورؤية ثاقبة لا تشوبها شائبة التردد او الضعف في مواجهة التحديات المصيرية التي تحدق بالوطن وتستهدف وجوده وكيانه المستقل