الشهيد النقيب عبدالله الداؤودي.. ضابطٌ قـ.ـاتل حتى الرمق الأخير وسطر اسمه في ذاكرة الجنوب الخالدة
الأحد - 10 مايو 2026 - 10:38 م
صوت العاصمة/ يافع
في صفحات التاريخ الوطني تظل أسماء الشهداء أكثر حضورًا من غيرها، لأنهم لم يعيشوا لأنفسهم فقط، بل حملوا قضايا أوطانهم على أكتافهم وواجهوا مصائرهم بثبات نادر. وحين تُستعاد سير المناضلين الذين خاضوا ميادين الحرب دفاعًا عن الأرض والهوية، يبرز اسم الشهيد النقيب عبدالله محمد حنش علي الداؤودي باعتباره واحدًا من الضباط الجنوبيين الذين جمعوا بين الانضباط العسكري والشجاعة الميدانية والالتزام الوطني، حتى ارتقى في ساحات المواجهة خلال حرب صيف 1994م، بعد مسيرة اتسمت بالعطاء والتفاني.
ولد الشهيد عبدالله محمد حنش الداؤودي عام 1960م في منطقة حوج آل داوود بمديرية سرار بمحافظة أبين، ونشأ وسط بيئة قبلية ووطنية عُرفت بالمواقف النضالية والتضحيات الكبيرة. وكانت أسرته من الأسر التي دفعت ثمنًا باهظًا في سبيل الوطن، إذ فقدت اثنين من أبنائها شهداء، وهو ما ترك أثراً عميقاً في تكوين شخصيته، ورسخ داخله مبكراً معاني التضحية والانتماء.
ومنذ سنواته الأولى، اتجه نحو التعليم والانضباط، فدرس المرحلة الابتدائية في مدرسة الشهيد محمد عبد الله بسرار، قبل أن ينتقل إلى مدينة زنجبار لاستكمال المرحلتين الإعدادية والثانوية. وهناك بدأ يلفت الأنظار بجدّيته وأخلاقه وحضوره القيادي بين زملائه، وهي الصفات التي مهدت لدخوله المؤسسة العسكرية لاحقاً.
وفي الأول من سبتمبر عام 1983م، التحق بالكلية العسكرية في العاصمة عدن ضمن الدفعة الثانية عشرة، في مرحلة كانت المؤسسة العسكرية الجنوبية تولي اهتمامًا كبيراً بإعداد الكوادر المؤهلة علمياً وميدانياً. وخلال سنوات الدراسة العسكرية، عُرف الشهيد بالالتزام والانضباط والدقة في تنفيذ المهام، إلى جانب تمتعه بشخصية هادئة وقدرة على تحمل المسؤولية.
وبعد عامين من التدريب والتأهيل العسكري، تخرج في الأول من سبتمبر 1985م برتبة ملازم ثاني، لينتقل بعدها إلى مرحلة جديدة من حياته المهنية داخل المؤسسة العسكرية.
التحق الشهيد عقب تخرجه بلواء ملهم في منطقة بيحان بمحافظة شبوة، وهناك بدأت ملامح شخصيته القيادية تظهر بصورة أوضح. فقد عُرف بالحكمة وحسن الإدارة والقدرة على التعامل مع الجنود والضباط بروح المسؤولية والانضباط، الأمر الذي جعله يحظى بثقة قياداته العسكرية.
ولم يقتصر حضوره على الجانب الإداري فقط، بل كان حاضرًا في مختلف المهام العسكرية بروح المقاتل الملتزم، وهو ما أهله لتولي منصب ضابط شؤون أفراد اللواء، وهو منصب يتطلب دقة وانضباطًا وقدرة على إدارة شؤون الأفراد بكفاءة عالية.
ومع مرور الوقت، اكتسب الشهيد سمعة طيبة بين زملائه، إذ كان معروفاً بأخلاقه الرفيعة واحترامه للآخرين وحرصه على أداء واجباته دون تهاون، لتتم ترقيته لاحقًا إلى رتبة نقيب تقديرًا لكفاءته وتميزه العسكري.
وعندما اندلعت حرب صيف 1994م، وجد الشهيد عبدالله الداؤودي نفسه أمام لحظة مصيرية تتطلب الثبات والوفاء للمبادئ التي آمن بها طوال حياته. فكان من أوائل الضباط الذين تقدموا الصفوف في جبهات القتال، مشاركاً في الدفاع عن الجنوب بكل شجاعة وإصرار.
وتؤكد شهادات رفاقه أنه لم يكن من القادة الذين يكتفون بإصدار التوجيهات من الخلف، بل كان حاضراً في مواقع المواجهة إلى جانب الجنود، يشاركهم تفاصيل المعركة ويواجه الخطر بنفسه، مؤمنًا بأن القائد الحقيقي هو من يكون في مقدمة الصفوف وقت الشدائد.
وفي خضم المواجهات العسكرية التي شهدتها محافظة شبوة خلال الحرب، واصل الشهيد أداء واجبه حتى اللحظات الأخيرة من حياته، ليُسطر واحدة من صفحات الوفاء والتضحية التي بقيت راسخة في ذاكرة رفاقه وأبناء منطقته.
وفي الرابع من يونيو عام 1994م، ارتقى شهيداً في محافظة شبوة، بعد مسيرة وطنية وعسكرية مشرّفة، مخلفاً وراءه زوجة وولدين، وسيرة ظلت حاضرة في وجدان أبناء يافع والجنوب عموماً، باعتباره نموذجًا للضابط الذي جمع بين الشجاعة والأخلاق والالتزام.
ورغم مرور السنوات، لا يزال اسم الشهيد النقيب عبدالله محمد حنش الداؤودي حاضراً في الذاكرة الشعبية لأبناء منطقته ورفاقه، إذ يُستعاد اسمه كلما ذُكرت التضحيات التي قدمها الضباط الجنوبيون في تلك المرحلة الصعبة من تاريخ الجنوب.
لقد رحل الجسد، لكن السيرة بقيت حيّة، شاهدة على رجل اختار طريق الواجب حتى نهايته، وظل ثابتًا على مواقفه حتى آخر لحظة من حياته.
رحم الله الشهيد النقيب عبدالله محمد حنش الداؤودي، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ذكراه خالدة في سجل الأبطال والمناضلين.