عندما تكون البعوضة أقوى من الدولة
السبت - 16 مايو 2026 - 10:15 م
صوت العاصمة/ بقلم : انتصار عبدالجليل
في البلدان الطبيعية، يخاف الناس من الحروب والكوارث والأزمات الاقتصادية، أما نحن فقد وصلنا إلى مرحلة نخاف فيها من بعوضة.
بعوضة صغيرة، بالكاد تُرى بالعين، لكنها تتجول بثقة في شوارع المدن والأحياء، وكأنها موظف رسمي يحمل تصريح عبور دائم، لا يوقفه أحد، ولا يسأله أحد إلى أين يذهب، ومن سيلدغه الليلة.
الملاريا وحمى الضنك لم تعودا مجرد مرضين موسميين، بل تحوّلتا إلى مشهد يومي يشارك الناس تفاصيل حياتهم.
كل بيت تقريبًا لديه مريض، أو قصة مع حمى مفاجئة، أو طفل يرتجف طوال الليل، أو عجوز أنهكه التعب، بينما الجهات المعنية تكتفي بإصدار بيانات تشبه نشرات الطقس:
“الوضع تحت السيطرة”… رغم أن المقابر وحدها تعرف الحقيقة.
المأساة هنا لا تكمن فقط في المرض، بل في البيئة التي تصنعه يوميًا.
مياه راكدة في كل زاوية، خزانات مكشوفة فوق الأسطح، براميل ممتلئة، شوارع تتحول إلى مستنقعات بعد كل تسرب، وكهرباء غائبة تدفع الناس للنوم في الأحواش وعلى الأرصفة وتحت النوافذ، وكأن المواطن صار وجبة مفتوحة للبعوض طوال الليل.
وحين تغيب الكهرباء، لا يغيب الظلام فقط، بل تغيب الحماية أيضًا.
المروحة تتوقف، والناموسية تصبح رفاهية، والناس يخرجون من بيوتهم بحثًا عن نسمة هواء، ليعودوا محملين بالحمى والأوجاع.
أما المياه، فهي الحكاية الأكثر سخرية.
الدولة لا توفرها بانتظام، ثم تستغرب لماذا يخزنها المواطنون في أوعية مكشوفة.
كأن السلطة تعاقب الناس مرتين:
مرة حين تحرمهم من الخدمات، ومرة حين تلومهم على نتائج الحرمان.
الحقيقة المؤلمة أن مكافحة الملاريا وحمى الضنك لا تحتاج معجزات بقدر ما تحتاج دولة تتذكر أن لديها شعبًا.
تحتاج حملات رش حقيقية، لا صورًا للرش.
تحتاج توعية مستمرة، لا منشورات موسمية تختفي أسرع من البعوض نفسه.
تحتاج إعلامًا يتحدث عن صحة الناس، لا عن بطولات المسؤولين الوهمية.
وتحتاج قبل كل شيء إلى إدارة تفهم أن الوقاية ليست ترفًا، بل خط الدفاع الأول عن حياة البشر.
ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي القول إن وزير الصحة العامة والسكان الدكتور قاسم بحيبح، يولي هذا الملف اهتمامًا كبيرًا، ويدرك حجم الكارثة الصحية التي تتوسع يومًا بعد آخر، كما أن الدكتور طارق الشعبي، مدير عام مكتب الصحة العامة والسكان، يبذل جهودًا مشهودة ومستمرة في متابعة حملات المكافحة والتوعية، والعمل الميداني لمواجهة انتشار الأوبئة رغم شح الإمكانيات وتعقيدات الواقع.
لكن مواجهة هذا الوباء لا يمكن أن تكون مسؤولية وزارة وحدها، ولا معركة يخوضها طرف واحد في ظل هذا الانهيار الهائل للخدمات.
فالأمر يحتاج إلى تكاتف الجميع، من دعم حكومي حقيقي، وإسناد دولي عاجل لمواجهة انتشار الأوبئة، إلى حملات توعية مجتمعية واسعة تساعد الناس على الوقاية، والتعامل الصحيح مع مصادر انتشار البعوض، لأن المعركة مع الملاريا وحمى الضنك تبدأ من وعي المجتمع بقدر ما تبدأ من إمكانيات الدولة.
الناس اليوم لا يريدون خطابات مطولة، ولا وعودًا عن “صيف أفضل”، بل يريدون أن ينام أطفالهم دون حمى، وأن يستيقظوا دون خوف من لدغة قد تنقلهم إلى سرير المستشفى أو إلى ما هو أبعد.
المؤلم أن البعوض في هذا البلد يبدو أكثر تنظيمًا من كثير من المؤسسات.
يعرف أين يذهب، ومتى يهاجم، وكيف ينتشر، بينما الجهات المسؤولة ما تزال تعقد الاجتماعات وتبحث عمّن يتحمل المسؤولية.
وفي النهاية، يبقى المواطن وحيدًا في مواجهة بعوضة…
لكنها بعوضة تحمل معها كل فشل السنوات الماضية