محاكمة الثورة بقوانين الدولة التي تسعى لها الثورة
الإثنين - 18 مايو 2026 - 12:45 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
لاشك بان منطق التاريخ لا يرحم الذين يخلطون بين طبائع المراحل، ولا يغفر لمن يحاكم المخاض العسير بقوانين الاستقرار الرتيب، فالشعوب الحية حين تنهض للتحرر من نير الاحتلال أو قيود الاستبداد، إنما تتحرك بوازع وجودي جارف يذيب الفوارق الضيقة، ويحطم الحسابات الصغيرة، وتنتفي في هذه اللحظات الفارقة كل نزعة مناطقية أو محسوبية من قوام القيادة والعمل الثوري جملة وتفصيلا. فالثورة في جوهرها الأصيل ليست مغنما يتقاسمه المحظوظون، ولا تركة توزع على الأقارب والأتباع، بل هي هبة شعبية عارمة تشمل الجماهير والنخب دون استثناء،حيث تندمج فيها الإرادات لتصبح إرادة واحدة صلبة لا تقبل التجزئة والاستئثار بمقاعد القيادة في معمعة الثورة والنضال متاح لمن يستحقها ولمن هو جدير بآلامها وتبعاتها وبطولاتها، ومقاعد القيادة لا تكون في حالات الثورة مكانا مغريا أو موضعا للجاه والرفاهية والوجاهة الكاذبة، فالمقاعد الثورية محجوزة حتما للشجعان والاقوياء والمخلصين والمستعدين للتضحية بأرواحهم، وتلك معايير حاسمة مقدمة في حالة الثورة على الكفاءة العلمية والمؤهل الأكاديمي اذ ان الكراسي الثورية خطيرة ومخيفة وليست وثيرة مريحة، وغير معدة على الإطلاق للاسترخاء وبناء الأمجاد الشخصية وممارسة امتيازات سلطة الدولة المستقرة، بل هي مرابض للنضال والتضحية والشهادة والموت الزؤام، ومن هنا يتجلى التناقض الصارخ في عقول الذين يتباكون على المحسوبية والمناطقية في حالة الثورات، إذ إن المناطقية والمحسوبية لو وجدت جدلا في القيادة الثورية، لكانت عملا إيجابيا يعكس منتهى الفداء، فالقائد المناطقي بمفهوم هؤلاء الواهمين لن يقرب أهله وأهل منطقته إلى مقاعد هي في حقيقتها مصادر للخطر واوكار للهلاك، إلا إذا كان مخلصا لدرجة الموت لأهداف الثورة، ويدفع بذويه إلى خطوط النار الأولى قبل الآخرين.
فالمناطقية الحقيقية بمفهومها السياسي والاجتماعي المذموم لا تنشأ ولا تكون إلا في حالة الدولة المستقلة ذات المؤسسات المستقرة والقوانين النافذة والموارد الموزعة، والجنوب لم يصبح دولة مستقلة بعد بل يزال في حالة ثورة عاتية مستمرة، ومع ذلك نجد العجب العجاب من أولئك المستائين من القائد عيدروس الزبيدي الذين يتهمونه بالمناطقية دون وعي أو تبصر. حيث يقود الزبيدي ثورة تحررية واضحة المعالم، والجنوب لازال في حالة ثورة عارمة ولم يستوي كدولة مستقلة ذات سيادة تامة بعد ومع ذلك يريد هؤلاء المتنطعون أن يحاكموا عيدروس الزبيدي بقوانين الدولة الفاضلة المستقرة، بينما الجنوب لايزال في حالة ثورة من أجل استعادة الدولة ذاتها. فكيف يمكن لعقل وازن أن يصف الزبيدي بالمناطقي بينما المناطقية تصنف بهذا الحكم الأخلاقي والقانوني من واقع قوانين الدولة المستقلة التي تملك ترف المحاسبة وتوزيع الفرص في مناخات آمنة.. فالثائر الحق الذي يناضل ليل نهار لتحرير بلده وشعبه لا يمكن أن يكون مناطقيا في نفس الوقت، لأن روح الثورة تلفظ الذاتية وتستوعب الجميع في أتونها، والثورة مشرعة الأبواب لكل طالب حرية دون معايير معقدة أو شروط مسبقة غير الشجاعة الفائقة والإخلاص المطلق والاستعداد التام للتضحية في سبيل أهداف الثورة العليا ومن يمتلك هذه المعايير الصارمة فإن الأمر لا يحتاج معه إلى وساطة من أحد ولا شفاعة من قريب، والجميع يمكنهم المشاركة في خدمة الوطن من خلال العمل الثوري دون استثناء وبلا قيود.
ولا يمكن أن يكون عيدروس مناطقيا خارج الإطار القانوني والسياسي المستقل والمستقر للدولة، ومن يحاول إسقاط مساوئ الدولة على جسد الثورة الفتي إنما يرتكب حماقة فكرية كبرى وجناية سياسية مشهودة، فمنطق الثورة يختلف جذريا عن منطق الدولة، وأهداف الدولة وأدواتها وتوازناتها تختلف تمام الاختلاف عن أهداف الثورة التي تبغي الهدم والبناء من نقطة الصفر. فالثورة شرعية إنجاز وتضحية وفداء، والدولة شرعية قانون واستقرار ومحاصصة عادلة، وخلط الأوراق بينهما ليس إلا ذرا للرماد في العيون، ومحاولة بائسة لتعطيل المسيرة التحررية بذرائع واهية لا تصمد أمام النقد الفلسفي الحاد والواقعية السياسية الصارمة.