مداد العاصمة



فضائل العشر من ذي الحجة والأعمال المستحبة فيها

الخميس - 21 مايو 2026 - 05:27 م

فضائل العشر من ذي الحجة والأعمال المستحبة فيها

صوت العاصمة/خاص:

كتب : القاضي أنيس صالح جمعان

​يعتبر شهر ذي الحجة من أفضل الشهور وأحبها إلى المولى عز وجل، وعشره الأوائل هي أفضل أيام الدنيا على الإطلاق، تفتح فيها أبواب التجارة الرابحة مع اللَّه التي لا تقبل الخسران. أقسم اللَّه بها في كتابه، وجعل العمل الصالح فيها أحب إليه من أي وقت آخر؛ لاجتماع أمهات العبادات فيها من صلاة وصيام وصدقة وحج، وختامها بيوم عرفة الذي يكفر صيامُه سنتين.

​وشهد النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأنها أعظم أيام الدنيا، وأن العمل الصالح فيها أفضل منه في غيرها، كما في حديث ابن عباس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، حيث قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ . قالوا : يا رسولَ اللهِ ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ ؟ فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : ولا الجهادُ في سبيلِ اللهِ إلَّا رجل خرج بنفسِه ومالِه فلم يرجِعْ من ذلك بشيءٍ).[رواه الترمذي، وأصله في البخاري].

وفي حديث عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا مِنْ أَيَّامٍ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ، وَلَا أَحَبُّ إِلَيْهِ مِنَ الْعَمَلِ فِيهِنَّ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ الْعَشْرِ، فَأَكْثِرُوا فِيهِنَّ مِنَ التَّهْلِيلِ، وَالتَّكْبِيرِ، وَالتَّحْمِيدِ).[رواه أحمد].

ومن أعمال عشر ذي الحجة الحج إلى بيت اللَّه الحرام، فمن المعلوم أن هذه الأيام توافق فريضة الحج، والحج من أعظم أعمال البر؛ فعندما سُئل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أيُّ العملِ أفضلُ؟ قال: أيُّ العملِ أفضلُ؟ فقال: «إيمانٌ باللهِ ورسُولِهِ»، قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: «الجهادُ في سَبيلِ اللهِ» قيل: ثمَّ ماذا؟ قال: حَجٌّ مَبرورٌ.).[متفق عليه]، فينبغي للمسلم إن وجد سعة في ماله، وصحة في جسده أن يبادر بأداء هذه الفريضة العظيمة، لينال الأجر والثواب الجزيل.

​فضائل العشر من ذي الحجة العظيمة :
➖➖➖➖
​1. مضاعفة الأجر وقسم الله بها: أقسم الله تعالى بها في كتابه تنويهاً بشرفها وعظم شأنها، قَالَ تَعَالَى: (وَٱلۡفَجۡرِ ۞ وَلَيَالٍ عَشۡرٖ ۞ وَ ٱلشَّفۡعِ وَٱلۡوَتۡرِ).[لفجر:1-3]، قال عدد من أهل العلم: إنها عشر ذي الحجة.

​2. أفضل أيام الدنيا: فضّلها الله تعالى على سائر أيام السنة، بل وعَدَل صيام اليوم الواحد منها بصيام سنة، وقيام ليلتها بقيام ليلة القدِر (من حيث فضل جنس العمل).

​3. اجتماع أمهات العبادات: تتفرد هذه الأيام باجتماع العبادات الأساسية فيها، والتي لا تجتمع في غيرها قط، وهي: الصلاة، الصيام، الصدقة، والحج.

​4. يوم التروية (بداية مناسك الحج): وهو اليوم الثامن من ذي الحجة، وسمي بذلك لأن الحجاج كانوا يتروون فيه من الماء لمِنى وعرفة. وهو المحطة الفعالة الأولى للحجاج، حيث ينطلقون فيه إلى مِنى مهللين ومكبرين ومُلبين، ويُستحب فيه لغير الحاج ما يُستحب في سائر العشر من صيام وذكر وعمل صالح، لعموم قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ما من أيَّامٍ العملُ الصَّالحُ فيهنَّ أحبُّ إلى اللهِ من هذه الأيَّامِ العشرِ).[رواه البخاري].

​5. يوم عرفة: وهو ركن الحج الأعظم (اليوم التاسع)، وفيه يغفر اللَّه الذنوب ويعتق العباد من النار، ويُستحب صيامه لغير الحاج، حيث يكفر ذنوب السنة الماضية والسنة الباقية. قال فيه النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حديث عائشة رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: (ما من يومٍ أكثرُ من أن يعتِقَ اللهُ فيه عبيدًا من النَّارِ من يومِ عرفةَ، وأنه لَيدنو، ثم يباهي بهم الملائكةَ فيقول: ما أراد هؤلاءِ؟ اشهَدوا ملائكتي أني قد غفرتُ لهم).[رواه مسلم].

​الأعمال المستحبة في العشر من ذي الحجة:

​أولاً: الصيام (التفصيل الفقهي الدقيق للصيام) :
➖➖➖➖
​يُستحب صيام الأيام التسعة الأولى من ذي الحجة، وهنا يكمن التحقيق الفقهي الشرعي في نقطتين:

1. ​النهي عن صيام اليوم العاشر (يوم العيد): إن إطلاق مسمى "صيام العشر" هو إطلاق مجازي، لأن الصيام يقع على التسعة أيام الأولى فقط، أما اليوم العاشر فهو يوم عيد النحر (عيد الأضحى) الذي يَحرُم صيامُه تحريماً غليظاً بإجماع الأمة على الحجاج وغير الحجاج، لما ثبت في الصحيحين أن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (نَهَى عَنْ صِيَامِ يَوْمَيْنِ: يَوْمِ الْفِطْرِ، وَيَوْمِ النَّحْرِ).

2. ​خصوصية صيام يوم عرفة (اليوم التاسع) لغير الحجاج: يُستحب صيام هذا اليوم العظيم لغير الحاج تحديداً استحباباً شديداً، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (يكفّر السنة الماضية والباقية).[رواه مسلم]. أما الحاجُّ الواقف بعرفة فيُسنّ في حقه الفطر؛ تعظيماً للموقف وليتقوى على الذكر والدعاء، اقتداءً بالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقد روت أم الفضل بنت الحارث رَضِيَ اللَّهُ عَنْها: (أنَّ نَاسًا تَمَارَوْا عِنْدَهَا يَومَ عَرَفَةَ في صَوْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَرْسَلَتْ إلَيْهِ بقَدَحِ لَبَنٍ وَهو واقِفٌ علَى بَعِيرِهِ، فَشَرِبَهُ).[متفق عليه].

​وقد ثبت في عموم صيام التسع عن بعض أزواج النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قالت: (رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر).[رواه أبو داود وأحمد].

​ثانياً: التهليل والتكبير والذكر :
➖➖➖➖
​الإكثار من قول (الله أكبر، لا إله إلا الله، الحمد لله) في كل الأوقات، لقَوْلُهُ تَعَالَى: (لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ). [الحج: 28]، وجمهور وجمهور العلماء على أنَّ قَوْلُهُ المقصود بها أيام العشر.

​التكبير المطلق: يسن إظهاره من أول يوم من أيام ذي الحجة في المساجد، المنازل، الطرقات، والأسواق، يجهر به الرجال وتسر به النساء، تعظيماً لله تعالى، ويستمر إلى آخر أيام التشريق.

وقد ثبت أنَّ ابن عمر وأبا هريرة كانا يخرجان إلى السوق أيام العشر يكبران ويكبر الناس بتكبيرهما.

​التكبير المقيد: وهو الذي يكون بأدبار الصلوات المفروضة، ويبدأ لغير الحاج من فجر يوم عرفة، ويستمر حتى عصر آخر يوم من أيام التشريق، لقوله تَعَالَى: (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ).[البقرة: 203].

​ثالثاً: التوبة النصوح، رد المظالم، والعمل الصالح الشامل :
➖➖➖➖
​إنَّ أول عمل صالح وأعظمه يستقبل به المسلم هذا موسم الطاعات هو التوبة النصوح رد المظالم إلى أهلها؛ فالذنوب وحقوق العباد حائل بين العبد والقبول، والله تعالى يقول:(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).[النور:31]، وعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أن رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (مَن كانَت عِندَه مَظلِمةٌ لأخيه فليَتَحَلَّلْه مِنها؛ فإنَّه ليس ثَمَّ دينارٌ ولا دِرهَمٌ...).[رواه البخاري]. فبراءة الذمة هي أساس الطهارة القلبية التي تُبنى عليها العبادات.

​ثم يأتي بعد ذلك شمول العمل الصالح في الأقوال والأفعال؛ كالمحافظة على الصلاة في أوقاتها، والإكثار من قراءة القرآن الكريم الذي يمنح النفس السكينة (ويمكن للشباب تخصيص ورد يومي كجزء بعد كل صلاة)، وصلة الأرحام، وعيادة المرضى، وإفشاء السلام, وإطعام الطعام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

​كما يتأكد فيها قضاء حوائج الناس؛ فعن أبي هريرة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال: قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (السَّاعِي عَلَى الأَرْمَلَةِ وَالمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، أَوِ القَائِمِ اللَّيْلَ الصَّائِمِ النَّهَارَ).[البخاري ومسلم]. ومن أعظم أبواب الخير الصدقة، لقوله عليه الصلاة والسلام: «إنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَتَدْفَعُ مِيتَةَ السُّوءِ».[رواه الترمذي].

​ومن أعظم ما يتقرب به العبد إلى اللَّه في هذه الأيام؛ المحافظة على الواجبات والفرائض وإتقانها قبل الاستكثار من النوافل، ففي الحديث القدسي: (وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضتُ عليه، وما إليَّ عبدي بشيءٍ أفضل من أداء ما افترضتُ عليْهِ، وما يزالُ يتقرَّبُ عبدي إليَّ بالنَّوافلِ حتَّى أحبَّهُ، فإذا أحببتُهُ...).[رواه البخاري].

​رابعاً: الأضحية :
➖➖➖➖
​وهي من أعظم القربات لأهل القُدرة والميسرة في يوم النحر وأيام التشريق، وهي سنة مؤكدة، بل إن من العلماء من قال بوجوبها للقادر. قال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إنَّ أفضلَ الأيَّامِ عندَ اللَّهِ يومُ النَّحرِ ثمَّ يومُ القَرِّ).[رواه أبو داود].(ويوم القرّ: هو اليوم الحادي عشر من ذي الحجة، لأن الناس يستقرون فيه بمِنى بعد الفراغ من أعمال يوم النحر).

​ومن آداب هذه العشر؛ أنَّ من عزم على الأضحية، كُره له أخذ شيء من شعره أو أظفاره منذ بداية شهر ذي الحجة حتى يضحي، لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ كَانَ لَهُ ذِبْحٌ يَذْبَحُهُ فَإِذَا أُهِلَّ هِلَالُ ذِي الْحِجَّةِ، فَلَا يَأْخُذَنَّ مِنْ شَعْرِهِ، وَلَا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا حَتَّى يُضَحِّيَ).[رواه مسلم].

​الخاتمة :
➖➖➖
​تعد العشر الأوائل من ذي الحجة أعظم مواسم الطاعات التي تتجلى فيها معاني الإيمان والعبودية، وقد النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والسلف الصالح يغتنمونها بالإكثار من الذكر والعمل الصالح؛ فالسعيد من اقتدى بهديه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبدأ بإصلاح سريرته ورد الحقوق والمظالم، وعمر هذه الأيام بالطاعة لينال نفحات الرحمة والمغفرة والعتق من النار.

دعاء 🤲

اللهُمَّ بلغنا عشر ذي الحجة، وأعنا فيها على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وتقبّل منا صالح الأعمال، واغفر لنا ولوالدينا ولجميع المسلمين، واجعلنا من عتقائك من النار، ووفق حجاج بيتك الحرام لأداء مناسكهم في أمن وإيمان وسلامة وإسلام.

تقبل اللَّه منا ومنكم صالح الأعمال، وبلغنا وإياكم يوم عرفة، ورزقنا الإخلاص والقبول، وجعلنا من عتقائه من النار.

القاضي أنيس صالح جمعان ​
٢٠ مايو ٢٠٢٦م
===========



الأكثر زيارة


الشعيبي : احتجاجات الجنوب في "مليونية 4 مايو" تجاوزت السياسة.

الأربعاء/20/مايو/2026 - 10:15 م

أكد الأكاديمي والسياسي الجنوبي الدكتور عبدالجليل شايف الشعيبي أن التظاهرات الحاشدة في العاصمة عدن بمناسبة "مليونية 4 مايو" تمثل صرخة شعبية كبرى ضد الت


اختطاف المناضل هيثم المليجي جـ.ـريمة سعودية جديدة تكشف وجه ا.

الخميس/21/مايو/2026 - 02:37 ص

أقدمت قوات الواجب السعودية المحتلة لجزيرة سقطرى بالتعاون مع أجهزة الأمن والاستخبارات التابعة للمليشيات السعودية على اعتقال المناضل والقائد العسكري الج


تعرف على درجات الحرارة المتوقعة اليوم الخميس 21 مايو 2026 في.

الخميس/21/مايو/2026 - 09:19 ص

توقع خبراء الأرصاد الجوية، اليوم الخميس، تباينًا في درجات الحرارة العظمى والصغرى بعدد من المحافظات اليمنية، مع استمرار الأجواء الحارة في المناطق الساح


اعتداء على طفل في حفل ماريا قحطان يُشعل غضبًا واسعًا ويحوّل .

الأربعاء/20/مايو/2026 - 11:21 م

أشعل مقطع فيديو متداول من فعالية فنية أُقيمت في منتجع الدولفين بمدينة عدن موجة غضب واسعة. ووثّق المقطع لحظة تعرّض طفل لاعتداء جسدي أثناء محاولته الاقت