رحلة القيم عندما تعود اكثر إثارة
الخميس - 21 مايو 2026 - 10:59 م
صوت العاصمة/ كتب : حسين أحمد الكلدي
عندما يكون لديك المكان المناسب والوقت الكافي، تخلق اللحظة المناسبة والفرصة المناسبة للرحلة الأكثر إثارة. فكيف تتقن فن عيش الحياة؟ تخبرنا أعظم دروس الحياة أنه عندما نريد تحقيق النجاح في العالم ومن حولنا، يتوجب علينا أن نحقق النجاح أولًا في أنفسنا؛ فإن أي هدف أو أي علاقة إنسانية لنا، إنما ترتبط بمن نكون أولًا، لا بما نقوله أو نملكه، فالبداية دائمًا تكون من داخل أنفسنا. فإذا توفّر فيك التواضع والنزاهة والامتنان، فكلها قيم مترابطة ببعضها؛ فالأشخاص الذين تتطابق كلماتهم مع أفعالهم هم من يحملون النزاهة، إذ تعكس تصرفاتهم وأخلاقهم ومبادئهم حقيقة ما يعتنقونه، ولذلك فهم جديرون بالثقة، وتكون الأمانة والثقة بهم غير محدودة أو مشروطة. فهم يحترمون ويقدّرون كلمتهم، ويصونون عهودهم، ولا يفرّطون بها مهما تعرّضوا لأي ضغوط، ومهما كانت قسوة الظروف التي تعصف بهم، وفي أي مكان من العالم. فالتربية التي تلقّوها في كنف الأسرة تعدّ الركيزة الأساسية للاستقامة، وهي التي تنعكس في تصرفاتهم. ومن أعظم الأمثلة على ذلك، هذه القصة التي أسردها لكم هنا في هذه السطور حول النزاهة والأمانة. فهذه القصة الحقيقية دارت في مكان لم يرك فيه أحد، ولم يكن معك فيه أحد، ولا يسمعك فيه غير ضميرك وأخلاقك وأمانتك أمام الله فقط لا غير. في أحد الأيام اتصل بي رجل يملك مكتب عقارات للبيع والتأجير، يقع في الحي الذي كنت أسكنه سابقًا، وكانت علاقتي معه ممتازة جدًا، وكان مكتبهم موكلًا في استلام قيمة الإيجار نيابة عن مالك العقار. وبعد أن انتقلت من ذلك السكن، اتصل علي وقال لي: أريد زيارتك لأمر مهم، أرسل موقعك. فتقابلنا بعد صلاة العصر، وعند اللقاء سألني: هل فقدت شيئًا؟ أجبته: أبدًا. قال: مثلًا مبلغًا من المال؟ فأجبته أيضًا: لا. فقال: تأكد، فهناك مبلغ مسجل عليه أسماء من استلموه ومن سلّموه، وذكر أسماء تعمّد ألّا تكون واضحة. في الحقيقة، لم تكن لدي أي فكرة عن الأمر. فاتصلت بولدي، فهو من يعلم بذلك، فسأله الرجل عن تحديد المبلغ الإجمالي، فشرح له الأمر وأعطاه رقمًا قريبًا من الرقم الحقيقي، ولكنه منحنا فرصة الذهاب إلى مكتبه بعد صلاة العشاء، حتى نتقابل مع الشخص الذي وجد المبلغ، ويكون ولدي قد تأكد من التفاصيل. ولذلك أحضرنا إجمالي المبلغ المفقود بالتفصيل، حسب سندات القبض المسجلة لدينا لكل عملية استلام. فأخرج الرجل المبلغ من الخزنة أمام صاحب المبادئ الذي وجده، وتمت مطابقته أمام الجميع، فكانت مفاجأة كبيرة بالنسبة لي. حينها تذكّرت مقولة كنت قد كتبتها يومًا في يومياتي على الفيس بوك: “أنت تحصد ثمار أفكارك، فإن كانت طيبة حصدتها، وإن كانت سيئة حصدتها هي أيضًا.” فعُدت بذاكرتي إلى موقف مشابه حصل لي شخصيًا، عندما وجدت مبلغًا من المال وأعدته إلى صاحبه دون أي تردد، بعد أن بحثت وعرفت الرجل الذي فقده، وهو لا يعلم أين فقده ولا من وجده. وكان ذلك منذ خمسة وخمسين عامًا مضت. واليوم، وبعد هذا العمر الذي قضيته، وبعد أن نجحت ورزقني الله، عادت تلك اللحظة إليّ، ولا أزال أراها حاضرة كما هي إلى اليوم. بل يجب علينا إننا نناقش دائمًا كيف يمكن للإنسان أن يقوم بالصواب لكي يشعر بالقوة إلى الأبد. وعندما تكررت أمامي هذه اللحظة، أدركت أن قرار القيام بالصواب يعيش في ذاكرتنا بصورة حيّة وأبدية. إنها قصة حقيقية نفخر دائمًا وأبدًا بأن نقصّها على أصدقائنا وأحفادنا. وهكذا، حتى تفهم يا عزيزي، أنه لو لم يتكلم أحد، أو يخبر أحدًا، واحتفظ بذلك المال، لما كان هناك من يعلم حقيقة الأمر إلا الله. لكن كانت هناك ضغوط داخلية دفعت ذلك الرجل للتمسك بمبادئه ومعتقداته، وهذه وحدها كانت كافية لأن تجعله لا يتخلى عن الأمانة والثقة، ولا يتنازل عن المبادئ الصحيحة التي تربّى عليها منذ الطفولة. لقد اختار الطريق الأصعب، طريق النزاهة، الذي يُعد المصدر الحقيقي للشجاعة والأمان. وعلى المستوى الشخصي، فإن هذا التصرف يعكس الثقة بالنفس وتحمل المسؤولية. ويُعد مبدأ تحمّل المسؤولية واحدًا من المبادئ القوية التي تسهم في دعم الحياة وتغييرها.
حسين بن أحمد الكلدي
20 / May / 2026