استغلال فبركة الجناية الأخلاقية ضد الطفولة للنيل من القضية الجنوبية
الثلاثاء - 26 مايو 2026 - 12:48 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
تتحرك بواعث النفوس البشرية منذ فجر الخليقة في أودية شتى من الخير والشر وتتصارع في أعماقها نوازع الفضيلة والرذيلة في نسق ممتد عبر العصور والحقب فلم تكن جناية الاعتداء على الطفولة واغتصاب براءتها غريبة عن مسامع التاريخ المحفوظ في بطون الكتب والرسالات السماوية والوضعية إذ حفلت مدونات الأمم السالفة والخالفة بشواهد تدل على تجذر هذه الآفة في النفوس المريضة التي انسلخت من إنسانيتها ولم يخلوا مجتمع من المجتمعات الإنسانية قديمها وحديثها من ظلال هذه الجريمة النكراء التي تطل برأسها كلما ضعف الوازع الأخلاقي أو تغلبت بواعث الكبت والجهل والظروف الاجتماعية الضاغطة كغلاء المهور وضيق سبل العيش مما يجعل بعض البيئات والمجتمعات العربية تعاني من انتشارها بنسب تفوق غيرها تحت وطأة تلك الضغوط النفسية والاجتماعية المزمنة التي تحجب نور العقل وتطلق سراح الغرائز المكبوتة في صور مشوهة تأنف منها الفطرة السليمة وترفضها الشرائع جمعاء وتلفظها الطباع السوية وتتبرأ منها مروءة الإنسان أينما كان وحيثما حل واستقر وطفق يبني معالم حضارته ويشيد صروح قيمه وبنيانه الأخلاقي عبر الزمان والمكان غير أن توظيف هذه الأوجاع الإنسانية والآفات السلوكية في حلبة الصراع السياسي وتحويلها إلى سلاح يتم اشهاره في وجوه الخصوم للنيل من كرامتهم والتشهير بقضاياهم الوطنية الكبرى يعد مسلكا دنيئا يفوق في دناءته الجريمة ذاتها ويهبط بالخصومة إلى درك سحيق من الانحطاط والابتذال كما تتبدى ملامحه بجلاء في ذلك التسجيل المرئي المشبوه الذي عمد إلى نشره مؤخرا أحد عناصر حزب الإصلاح الاخونجي مدعيا فيه قيام رجل من رجال الأمن الجنوبيين بانتهاك عرض طفل بريء دون أن يستند في دعواه العريضة تلك إلى بينة من علم أو بقية من حقيقة مادية حاسمة تؤيد ما ذهب إليه من اتهام شنيع يسعى من ورائه ومن يقف خلفه في غيابات المكر إلى إلاساءة البالغة لرجال الجنوب المدافعين عن حياضه وتشويه قضيته العادلة التي تآمرت عليها قوى العدوان والخذلان وحاولت بكل ما أوتيت من حيلة وخديعة أن تضرب إرادة الشعب الجنوبي الأبي وتثبط عزيمته الفولاذية في وقت تمر فيه الساحة الجنوبية بمنعطفات سياسية وعسكرية وامنية بالغة التعقيد والخطورة لاسيما منذ التدخل العسكري السعودي في مطلع يناير الماضي مما يجعل توقيت بث هذا الفيديو دليلا واضحا على بطلانه وعلامة فارقة على زيف مقصده وفساد طويته التي لا تخفى على ذي بصيرة ينظر إلى الأمور بميزان العقل والمنطق والحصافة الفكرية البعيدة عن الأهواء والشبهات إذ لا يمكن لعاقل يدرك طبائع الأشياء ويقيس الأمور بمقياس القانون الجنائي والعدالة المنصفة أن يعتد بمثل هذه المقاطع المصورة أو يجعل منها دليلا وحيدا لإدانة امرئ وتدنيس عرضه وسمعته دون قرائن ملموسة تعضدها وتكشف عن حقيقة دوافعها خاصة في هذا العصر الذي بلغت فيه التقنيات الحديثة وطفرة الذكاء الاصطناعي مبلغا يتيح لكل عابث بائس أن يصنع مئات المقاطع الزائفة بضغطة زر واحدة وفي غضون لحظات خاطفة تتشكل فيها الصور والأصوات والمشاهد وفق مشيئة الصانع ورغبته في التزوير والافتراء فضلا عن أن تصوير واقعة إجرامية يقوم بها رجل أمني أو عسكري في منأى عن العيون يمثل أمرا يجافي المنطق السليم ولا يقبله العقل السوي المنصف الذي يدرك أن المجرم يسعى بطبعه إلى التخفي والتواري عن الأنظار لا إلى توثيق مخازيه وعرضها على الملأ ثم إن وصول هذا المقطع بعينه وبطريقة تثير الريبة والتساؤل إلى يد عادل الحسني المقيم خارج البلاد والمعروف بصلته الوثيقة بحزب الإخوان المناهض لتطلعات الشعب الجنوبي وقيادته يمثل معضلة منطقية لا يستسيغها الوجدان ولا يرتضيها الفكر الحر وكان حريا بمن يتبنى مثل هذه التهم الثقيلة أن يقدم البراهين المادية القاطعة بدلا من الركون إلى تسجيلات واهية يمكن لأي إنسان يمتلك أدوات العصر أن يصنع مثلها لتشويه خصومه وإثارة الفوضى من حولهم عملا بالمثل الشعبي القائل "إن الرصاصة التي لا تصيب تدوِش" وتثير الجلبة في صفوف الناس وتصرف وجوههم عن الحقائق الساطعة وتدخلهم في تيارات الشك والظنون المهلكة ولعل المتأمل في توقيت ظهور هذه الفرية المصنوعة يدرك دون عناء أنها ولدت في رحم مرحلة عصيبة يتعرض فيها الجنوب قيادة وشعبا وقضية لحرب عسكرية وسياسية واعلامية ونفسية وامنية ومادية شعواء متعددة الأشكال والألوان تستهدف قضيته وتشتيت جهوده وإعاقة مسيرته نحو الاستقلال والحرية وعندما تنبت هذه الافتراءات في مثل هذا الظروف الدقيقة فإن حكم العقل يقضي ببطلانها ويفسر وجودها بكونها أداة من أدوات الحرب النفسية لخلخلة الصفوف وتفتيت العزائم الصلبة ولو تنزلنا مع الخصوم على سبيل الجدل المحض الذي يفترض المستحيل ويناقش المحال واعتبرنا أن هذه الحادثة قد وقعت فعلا فإن هذه الموبقات تجري في كل المجتمعات الإنسانية بلا استثناء وتحتجب أكثر تفاصيلها في طي الكتمان ولا يظهر منها إلا النزر اليسير عند اكتشافها وملاحقة مرتكبيها وهي طاهرة تعج بها المجتمعات المتقدمة وتتغلغل في أوساط الساسة والقادة الكبار ولعل فضائح جزيرة إبستين الشهيرة التي لم يجف حبرها بعد في المحافل الدولية والصحافة العالمية خير شاهد على أن الرذيلة لا وطن لها ولا عرق بل إن هذه الفظائع والمنكرات تقع في مناطق الشمال بأضعاف ما يمكن تصوره فلا يكاد يمر يوم واحد دون أن تنقل وكالات الأنباء وصفحات التواصل الاجتماعي فضيحة أخلاقية يندى لها الجبين في صنعاء أو تعز أو ذمار أو صعدة دون أن تنال من الضجيج الإعلامي المعادي معشار ما ناله هذا الفيديو المفبرك في عدن كما أنها تقع في بلاد الحرمين الشريفين والمملكة العربية السعودية التي تمثل عاصمة الإسلام وحاضنة مقدساته ومع ذلك تمر تلك الحوادث الفردية هناك بسلام ودون صخب إعلامي موجه مما يؤكد أن خلو الجنوب من هذه الظواهر المشينة وحصانة مجتمعه ونقاوة أعرافه النبيلة هي التي دفعت الخصوم والأعداء إلى تزوير الحقائق واختلاق الأكاذيب وفبركة المقاطع لإدانة أبنائه وتلطيخ قضيتهم الوطنية التي لا صلة لها من قريب أو بعيد بهذه السلوكيات الدنيئة المنبوذة إذ تظل القضية الجنوبية أسمى وأرفع من أن تقيد بأفعال أفراد أو ترهن بنزوات نفسية عابرة تقع في كل بقاع الأرض نتيجة اضطرابات نفسية وظروف اجتماعية استثنائية ومع ذلك يظل المجتمع الجنوبي من أقل المجتمعات معاناة من هذه الآفات لصلاح سريرة أهله وتمسكهم بقيم الدين الحنيف والعادات العربية الأصيلة التي تستهجن هذه الأفعال وتطرد فاعليها من حظيرة الاحترام والقبول وتوجب عليهم العقاب الصارم والنكال الشديد جزاء وفاقا لما اقترفته أيديهم من إثم وعدوان وإذا ما ثبت بالدليل القاطع والبرهان الساطع أن هذا الفيديو المنتشر لم يكن سوى فرية مصنوعة وفبركة رخيصة تهدف إلى التشهير والفتنة فإن العدالة تقتضي ملاحقة ناشره وصانعه ومستدعيه عبر الأنتربول ليكون عبرة للمعتبرين ونكالا لكل من تسول له نفسه العبث بأعراض الناس والاستهتار بالسلم الاجتماعي واستخدام الكذب البواح في إدارة المعارك السياسية والوطنية التي يجب أن تظل مبرأة من هذه الأساليب الساقطة والمسالك المعيبة التي تعري أصحابها وتكشف عوراتهم الأخلاقية والسياسية أمام التاريخ والناس أجمعين.