الضالع… أحد عشر عاماً من المجد والصمود والثورة
ملحمة وطنٍ لا ينكسر
الأربعاء - 27 مايو 2026 - 12:21 ص
صوت العاصمة/ كتب: عبدالسلام محمد قاسم
في مثل هذا اليوم العظيم، تقف الضالع شامخةً كما عهدها التاريخ، عصيّةً على الانكسار، متوشحةً بدماء الشهداء، ومكللةً بعزة الأبطال، وهي تحيي الذكرى الحادية عشرة لتحريرها، ذلك اليوم الذي لم يكن مجرد انتصارٍ عسكري عابر، بل كان لحظةً فاصلةً أعادت للجنوب روحه، وللشعب كرامته، وللأرض صوتها الحر.
أحد عشر عاماً مضت منذ أن دوّى صوت المقاومة في جبال الضالع وسهولها، معلناً أن إرادة الشعوب لا تُقهر، وأن الأرض التي ارتوت بدماء الأحرار لا يمكن أن تخضع أو تنكسر.
لقد كانت الضالع ـ وما تزال ـ عنواناً للصمود، وقلعةً وطنيةً متقدمةً في مواجهة كل مشاريع الهيمنة والانكسار، ومنها انطلقت شرارة الكرامة التي أيقظت في الجنوب روح الثورة والتحرر. بقيادة المقاوم الصلب عيدروس بن قاسم الزبيدي.
هنا في الضالع… لم يكن الرجال يقاتلون دفاعاً عن حدودٍ جغرافية فحسب، بل كانوا يدافعون عن هوية وطن، وعن حق شعبٍ أراد أن يعيش حراً عزيزاً مرفوع الرأس.
هنا امتزجت تكبيرات المساجد ودموع الأمهات بزغاريد النصر، وتعانقت تضحيات الشهداء مع أحلام الأجيال القادمة، ليولد من رحم المعاناة فجرٌ جديد عنوانه الحرية والسيادة والكرامة.
ولعل من الشهادات التي يحق للتاريخ أن يقف أمامها بإجلال، لا من باب التفاخر بل من باب توثيق الحقيقة الوطنية، أننا في خضم تلك الأيام العصيبة، وفي ظل ظروفٍ بالغة القسوة وشُحٍ شديد في الإمكانيات، وغياب شبه تام لوسائل الاتصال والإعلام، استطعنا أن نحمل الكلمة كما حمل الأبطال السلاح، وأن نجعل من الحرف جبهةً موازيةً للميدان.
وفي تلك اللحظات المصيرية، كان لي شرف كتابة “بيان النصر” الذي حمل عنوان: **“يوم النصر المبين”**، ذلك البيان الذي وُلد من قلب المعركة، ومن بين أصوات الرصاص ودخان المواجهات، ليعبّر عن إرادة شعبٍ انتصر رغم الحصار والتحديات.
لم تكن المهمة سهلة، لكن الإيمان بالقضية، والإصرار على إيصال صوت الضالع إلى الجميع، كانا أقوى من كل الصعاب. فكانت الكلمة يومها رسالة صمود، ووثيقة انتصار، وشهادةً حيةً على أن الشعوب العظيمة تصنع تاريخها بالإرادة قبل الإمكانيات.
لقد أثبت أبناء الضالع أن المقاومة ليست بندقيةً فقط، بل عقيدة وطنية وإيمان راسخ بعدالة القضية. وأكدوا أن الشعوب الحرة قادرة على صناعة المعجزات حين تتوحد خلف هدفها الوطني. فكان تحرير الضالع بداية مرحلة جديدة من الوعي الثوري والنضال التحرري، ورسالةً واضحةً للعالم بأن الجنوب العربي لن يقبل الذل أو الوصاية مهما بلغت التحديات.
وإذا كانت الضالع قد انتصرت بالسلاح والإرادة، فإن مسؤوليتنا اليوم أن نحافظ على هذا النصر بوحدة الصف، وتعزيز التلاحم الوطني، ونبذ الخلافات الضيقة، لأن الأوطان لا تُبنى إلا بإخلاص أبنائها، ولا تُحمى إلا بوعي شعبها والتفافه حول قضيته العادلة.
وفي هذه الذكرى الخالدة، نجدد العهد للشهداء الأبرار بأن تضحياتهم ستظل مشاعل تضيء درب الأحرار، وأن الجنوب سيبقى وفياً لدمائهم الطاهرة، ثابتاً على مبادئ الحرية والكرامة والسيادة الوطنية.
كما نؤكد أن المقاومة الجنوبية ستظل الحصن المنيع والسند الثابت في حماية الجنوب والدفاع عن أمنه واستقراره، والوقوف صفاً واحداً إلى جانب القوات المسلحة الجنوبية في مواجهة كل المؤامرات والتحديات التي تستهدف الأرض والإنسان والهوية.
الرحمة للشهداء الذين صنعوا المجد بدمائهم…
الشفاء للجرحى الذين كتبوا صفحات البطولة بأوجاعهم…
والتحية لكل أمٍ صابرة، ولكل مقاتلٍ رابط، ولكل جنوبي حمل الوطن في قلبه قبل كتفه.
يا الضالع…
يا قلعة الثورة والصمود…
يا منارة الأحرار في زمن الانكسارات…
ستبقين دائماً رمزاً للنصر، ومدرسةً في الكرامة الوطنية، وصوتاً حراً لا ينطفئ مهما اشتدت العواصف.
المجد للشهداء…
الحرية للجنوب…
والنصر لإرادة الشعوب الحرة.
كتب عبدالسلام محمد قاسم