مداد العاصمة



العوار القانوني القاتل في اتفاقية الوحدة اليمنية وبطلان التوقيع الفوقي عليها من قبل سلطات الأمر الواقع

الجمعة - 29 مايو 2026 - 12:32 ص

العوار القانوني القاتل في اتفاقية الوحدة اليمنية وبطلان التوقيع الفوقي عليها من قبل سلطات الأمر الواقع

صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي


في البدء استميح القارئ عذرا في مستهل هذا الحديث إن بدت السطور ممتدة والتحليل متسع على غير ما تعودت عليه عجلة الصحافة المعاصرة من تبسيط مخل، بيد أن طبيعة المنعطفات التاريخية الكبرى وحجم التعقيدات المحيطة بالقضية المستهدفة بالبحث هنا تستوجب الغوص في التفاصيل العميقة دون مواربة، فالإيجاز هنا قد يتحول إلى خطيئة معرفية تترك الأسئلة الحائرة بلا إجابات شافية، وما هذا الطول الظاهري في مقالاتي إلا غاية الإيجاز الممكن لاستيعاب مسارات سياسية وقانونية كادت أن تطمسها أمواج النسيان المتعمد، حيث نجد أنفسنا أمام واجب تفكيك البنية التأسيسية لما سمي باتفاقية الوحدة اليمنية من منظور القانون الدولي العام الذي لا يجامل العواطف الشعارية ولا يعتد بالحقائق المفروضة على الارض بحد السلاح.
فحين نعود بالذاكرة السياسية الفاحصة إلى الحقبة التي سبقت مايو من العام تسعين، نجد أن جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كانت تشكل كيانا قانونيا دوليا متكامل الأركان، يتمتع بسيادة كاملة وعضوية معترف بها في منظمة الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية وكافة المحافل الإقليمية والدولية، مما يمنح شعب الجنوب مركزا قانونيا ثابتا في تحديد مصيره السياسي لا يمكن تجاوزه بقرار فوقي اتخذته سلطات لم تستمد شرعيتها من صناديق الاقتراع الحرة، إذ إن القيادتين اللتين وقعتا على ذلك الاتفاق في لحظة تاريخية فارقة عبر كل من علي سالم البيض وعلي عبد الله صالح، كانتا تمثلان في حقيقة الأمر سلطات أمر واقع تدير مشهد الحكم في البلدين عبر آليات استثنائية ولم تكن أي منهما تمتلك تفويضا شعبيا دستوريا يخولها التنازل عن السيادة الوطنية أو دمج دولتين بكامل مصلحتيهما الحيوية.
فالعوار القانوني القاتل الذي يصم تلك الاتفاقية بالبطلان المطلق منذ لحظة ولادتها يكمن في غياب الركن الأساس للشرعية الدستورية والدولية وهو العودة إلى الإرادة الشعبية الحرة، حيث لم يجري الاستفتاء الشعبي على بنود الاتفاق في الجنوب كما لم يعرض المشروع بصيغته النهائية على مجلس الشعب الأعلى في عدن ولا حتى على مجلس الشورى في صنعاء بطريقة تتيح لممثلي الشعب تدارس التبعات قبل المصادقة القانونية الواعية عليه، الأمر الذي يجعل من التوقيع الثنائي مجرد تفاهم سياسي بين نخبتين حاكمتين تفتقران للأهلية الدستورية اللازمة لإبرام عقود مصيرية بهذا الحجم، وبذلك تصبح الاتفاقية فاقدة لشرعية الوجود من وجهة نظر الفقه القانوني المعاصر الذي يشترط موافقة الشعوب الحرة عبر آليات ديمقراطية شفافة كشرط مسبق لشرعية أي اندماج سياسي بين دولتين مستقلتين.
ويتجلى هذا البطلان بصورة أوضح عند تكييف الواقعة السياسية مع المبادئ المستقرة في القانون الدولي وفي مقدمتها مبدأ عدم الاعتراف بالأوضاع الناشئة عن استخدام القوة أو ما يعرف بمبدأ ستيمسون، فالوحدة التي أعلن عنها في تسعين لم تلبث أن تعرضت لانتكاسة وجودية كبرى عندما شن نظام صنعاء حربا شاملة في صيف عام أربعة وتسعين فرضت من خلالها معادلة سياسية جديدة بالحديد والنار، واجتاحت القوات العسكرية أرض الجنوب محولة الشراكة المفترضة إلى إلحاق قسري واحتلال عسكري واضح، وهو ما دفع بعلي سالم البيض إلى إعلان الانفصال وفك الارتباط في خضم الحرب تراجعا عن الاتفاقية التي نقضها الطرف الآخر بتجاوزه لكل العهود السياسية والالتزامات القانونية التي وقع عليها.
فإعلان الانفصال في ذلك التوقيت يمثل في جوهره ردا قانونيا مشروعا على انهيار العقد التأسيسي وسقوط الشراكة نتيجة استخدام القوة المسلحة، فالتراجع المعلن من جانب القيادة الجنوبية يعكس سقوط الاتفاقية تلقائيا لفشل الطرف الآخر في الالتزام بغاياتها وتحولها من مشروع اندماجي سلمي إلى عملية غزو عسكري متكاملة الأركان، وحيث أن مبدأ ستيمسون يحظر صراحة إضفاء أي شرعية على المكاسب الإقليمية أو السياسية التي تتحقق عبر العدوان المسلح، فإن الوضع القائم في الجنوب منذ صيف أربعة وتسعين لا يمكن اعتباره سوى حالة إلحاق قسري تفتقر إلى أي سند قانوني معترف به في الميثاق الأممي.
وبناء على هذه المقاربة المتسلسلة والمستندة إلى روح المواثيق الدولية، يتبين بالدليل القاطع أن المسار الذي سارت فيه القضية الجنوبية لم يكن سوى تراكم لإجراءات باطلة لا يمكن أن تولد حقا مشروعا، فما بني على باطل فهو باطل في فقه القانون والسياسة، وتظل السيادة المستلبة لشعب الجنوب حقا ثابتا غير قابل للتقادم أو السقوط بالفرض العسكري، مما يستوجب إعادة قراءة المشهد برمتة بعيدا عن الأوهام الشعارية والاعتراف الصريح بأن الوضع الناشئ عن حرب أربعة وتسعين يمثل خرقا جسيما لمنظومة الحقوق الدولية التي تحمي الكيانات المستقلة من التذويب القسري والنزع غير القانوني لسيادتها الوطنية المعترف بها.



الأكثر زيارة


ترامب يهدد "بتدمير" سلطنة عمان .. لهذا السبب؟.

الأربعاء/27/مايو/2026 - 10:47 م

هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتدمير سلطنة عمان إذا حاولت الأخيرة السيطرة على مضيق هرمز، مشددا على أن الممر المائي الاستراتيجي يجب أن يظل مفتوحا لل


السعودية تقدم منحة نفطية طارئة بقيمة 150 مليون دولار لتأمين .

الأربعاء/27/مايو/2026 - 10:26 م

أفادت وكالة "رويترز" للأنباء، اليوم الأربعاء، بأن المملكة العربية السعودية تعتزم تقديم دعم مالي وعيني جديد لليمن، يتمثل في تزويد البلاد بمشتقات نفطية


وفاة عبد ربه منصور هادي.. رئيس واجه «أخطر» منعطفات اليمن الح.

الخميس/28/مايو/2026 - 07:40 م

توفي الرئيس اليمني السابق عبد ربه منصور هادي، الخميس، في العاصمة السعودية الرياض عن عمر يناهز 80 عاما. وكان هادي قد اتخذ من الرياض مقرا له عقب اجتياح


قيادة المقاومة الجنوبية تهنئ الشعب الجنوبي والقيادة السياسية.

الأربعاء/27/مايو/2026 - 11:40 م

بأسمى آيات الفخر والاعتزاز والتبريكات مفعمة بوعود النصر والثبات يطيب للمقاومة الجنوبية في محافظة الضالع ان تتقدم بأسمى آيات التهاني وأطيب التبريكات ال