كهرباء عدن والريموت القذر الذي يدير لعبة التركيع السياسي
الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - 12:29 ص
صوت العاصمة/ بقلم / حافظ الشجيفي
قبل الدخول في قراءة هذه التضاريس السياسية المعقدة والخطيرة التي تعصف بالجنوب العربي في هذه المرحلة التاريخية المفصلية التي يمر لها يسعدني ويشرفني ان اتقدم بالاعتذار الصادق والعميق للقارئ الكريم عن التفصيل والاسهاب ومصادرة جزء ثمين من وقته في قراءة هذا المقال المطول غير ان جسامة الخطب وفداحة المؤامرة وتداخل الملفات تفرض علينا جميعا هذا التوضيح الشامل والكامل في توقيت عصيب وحرج يحتاج فيه المواطن الجنوبي الى امتلاك وعي حقيقي وصلب لمواجهة مطابخ تزييف الوعي واعداء القضية الوطنية الذين يحاولون بشتى الطرق والوسائل الخبيثة والدنيئة استغلال عواطف البسطاء وظروفهم المعيشية والخدمية القاسية لتمرير مخططات تصفوية وتأمين التفاف مشبوه ومكشوف ضد تطلعاته الوطنية المشروعة في الاستقلال واستعادة دولته.
وحين نسلط الضوء على ملف الخدمات والكهرباء في العاصمة عدن نجد انفسنا امام مسرحية سياسية هزلية ومكشوفة تثير الكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول الاسباب الحقيقية الكامنة وراء استمرار هذه المعاناة والانطفاءات الطويلة للتيار الكهربائي والتي يجري تصديرها للرأي العام على شكل ازمات تقنية واعطال فنية وعجز مزمن في محطات التوليد والطاقة التوليدية بينما تدحض الحقائق الدامغة على الارض وشواهد التاريخ القريب والبعيد كل هذه الادعاءات والمبررات الواهية وتثبت بشكل قاطع لا لبس فيه ان هذه المحطات والمنظومة الكهربائية قادرة على العمل المستقر بكفاءة عالية على مدار الساعة حين توجد الارادة السياسية الحقيقية لدى القوى المهيمنة على القرار والمال العام.
فمن يقرأ بتمعن دفتر الاحداث خلال السنوات الاخيرة في عدن سيتذكر جيدا كيف انتفض الشارع الجنوبي في عام الفين وثمانية عشر وخرج الناس في احتجاجات غاضبة وعارمة احرقوا خلالها الاطارات وقطعوا الشوارع رفضا لتردي الخدمات والكهرباء لتحدث المفاجأة الكبرى التي كشفت المستور حيث جرى تشغيل جميع محطات التوليد وبكفاءة قصوى ولمدة ثلاثة ايام كاملة دون انقطاع واحد لثانية واحدة بمجرد ان شعرت السلطات بخطر الغضب الشعبي وجديته تماما مثلما حدث في نفس العام خلال وبعد المواجهات العسكرية الدامية بين القوات المسلحة الجنوبية وقوات حكومة الشرعية حيث استمرت الكهرباء في العمل والتدفق الى منازل المواطنين لمدة اسبوع ونصف دون اي انقطاع يذكر رغم ظروف الحرب واشتعال المعارك مما يعطي دليلا حيا وملموسا ومقنعا على ان المحطات لا تعاني من اي عجز بنيوي او تقني حقيقي بقدر ما تخضع لعمليات تحكم سياسي خبيث يدار بريموت كنترول قذر لتمرير اجندات سياسية معينة.
وبتكرر المشهد ذاته اليوم في العام الجاري 2026 وبطريقة اكثر فجاجة ووقاحة سياسية بعد خروج المجلس الانتقالي الجنوبي من سلطة الشراكة حيث شهد المواطن الجنوبي في فصل الشتاء الماضي طفرة كهربائية غير مسبوقة واستمرارية في التشغيل وصلت الى ست عشرة ساعة في اليوم دون انقطاع في خطوة كيدية وسياسية مبطنة استهدفت بالدرجة الاولى تحميل المجلس الانتقالي مسؤولية الفشل والتردي الخدمي والكهربائي خلال سنوات تواجده السابقة في هرم السلطة بينما كانت فصول الشتاء في الاعوام الماضية تشهد انقطاعات مريرة تصل الى ست عشرة ساعة في اليوم في عز البرد مما يطرح سؤالا جوهريا وعقلانيا صريحا وهو ما الذي جعل الكهرباء تعمل بهذه الوتيرة العالية والمستقرة في شتاء هذا العام بالذات بينما ظلت خلال السنوات الماضية تعاني من ذات التردي والانهيار في الصيف والشتاء معا ليعود الانقطاع ويتفاقم بشكل مرعب وكارثي في هذا الصيف اللاهب بعد ان تأكد المخرج السياسي وصناع القرار ان الشعب الجنوبي يزداد تمسكا والتفافا حول المجلس الانتقالي وقضيته الام رغم كل المحاولات والالعاب والمناورات الشتوية المكشوفة التي استهدفت فصل الجماهير عن ممثلها.
فمصفوفة الذرائع والحجج التي تسوقها السلطات والجهات المعنية من قبيل نقص الوقود الحاد وتأخر الشحنات او قيام جهات نافذة ببيع وقود الكهرباء والديزل في السوق السوداء لجني ارباح فاحشة او قيام جماعات مسلحة ومتقطعين باحتجاز قواطر وناقلات النفط القادمة من محافظة حضرموت في الطرقات الطويلة ليست سوى مسكنات وادوات تضليل سياسي واعلامي فاشلة لم تعد تنطلي على طفل صغير في الجنوب لكون الحقيقة الساطعة كشمس النهار تشير بوضوح تام الى ان هذه الازمات هي ادوات عقاب جماعي ممنهج وسياسة تركيع شاملة يجري ممارستها ضد الشعب الجنوبي الصابر بهدف إذلال المواطنين وسحق كرامتهم تحت ضغط حرارة الصيف القاتل واعدام الخدمات الاساسية لدفعهم مرغمين للتنازل عن قضيتهم الوطنية وتطلعاتهم السياسية المشروعة ومقايضة حقوقهم السيادية والوجودية بجرعة كهرباء او شحنة وقود في ابشع صور الابتزاز السياسي الذي عرفه التاريخ المعاصر.
وهنا يجب ان نتوقف مليا لنتساءل بعمق وعقلانية وصراحة مطلقة كيف يكون ركوع الشعوب في المنظور السياسي والتاريخي وما هي المؤشرات الحقيقية والدالة على استسلامها وانكسار ارادتها الحرة امام الجلادين وصناع الازمات المفتعلة والجواب يكمن في ان ركوع الشعوب الذي يخطط له مهندسو الحروب الاقتصادية والخدمية والمعيشية يتمثل على الارض في صورة مسيرات ومظاهرات سلمية ذات طابع ذليل ومستكين يقف فيه المواطنون في الساحات في مشهد بائس ذليل يتنافى مع قيم الكرامة الانسانية امام السلطات التي تحكمهم وتتحكم بمصيرهم ليستجدوا ويتسولوا منها تحسين الاوضاع الخدمية والمعيشية المتردية دون رفع اي شعار سياسي او وطني وحين يخرج الشعب بهذه الطريقة الذليلة للمطالبة بلقمة العيش والكهرباء والماء فقط فإن ذلك يمثل المؤشر الاكبر والضوء الاخضر للسلطات والقوى المعادية بأن هذا الشعب قد وصل الى نقطة الانكسار التام واصبح جاهزا ومستعدا للتنازل عن قضيته الوطنية ومستعدا للقبول بأي مشاريع سياسية مشبوهة ومنقوصة او حلول ترقيعية اخرى سيتم تبنيها وتقدبمها على اعتبار انها المخرج الوحيد للازمات الاقتصادية والخدمية الخانقة التي حوصر بها وعزل في اتونها لفترات طويلة.
وهذا النهج السياسي والخدمي القمعي يعكس في فحواه عدم احترام حقيقي لإرادة الشعب الجنوبي وحقه الاصيل والشرعي في الاستقلال واستعادة دولته كاملة السيادة غير ان الرهان على هذه الاستراتيجية البائسة والقديمة يبدو خاسرا وفاشلا مسبقا امام صخرة الوعي والصلابة الجنوبية فالشعوب الحية والاصيلة لا تركع ولا تستسلم ولا تخرج في مظاهرات الذل والانبطاح لتتسول حقوقها ولا تبيع اوطانها ودماء شهدائها وقضاياها المصيرية والوجودية مقابل تحسين خدمة او توفير ساعات كهرباء اضافية ومن الغباء السياسي والسطحية بمكان الاعتقاد بأن شعبا قدم قوافل من التضحيات الجسام في سبيل حريته يمكن ان يقايض مستقبله ومستقبل اجياله بالخدمات الاساسية مهما بلغت شدة الضغوط والحروب المعيشية المفروضة عليه من قوى النفوذ والفساد.
لذا فان ازمة الكهرباء في العاصمة عدن والجنوب عامة في عمقها وجوهرها الحقيقي تمثل صراعا سياسيا وجوديا اكبر واعمق بكثير من مجرد نقص في التوليد او عجز في المشتقات النفطية والوقود لكونها تجسد وبشكل حي صراع الارادات بين شعب حر صامد يسعى لانتزاع حريته واستقلال وطنه وبين منظومة وقوى تحاول بكل ما اوتيت من قوة ونفوذ وادوات قذرة كسر هذه الارادة وتركيع هذا الشعب العظيم الذي يثبت يوما بعد يوم وعيا جماهيريا وثباتا اسطوريا يقطع الطريق على كل المؤامرات والدسائس ويحول هذه الازمات المفتعلة والمعاناة القاسية الى وقود متجدد وفرص حقيقية لتعزيز وتدعيم المطالب الشعبية والوطنية بالاستقلال الناجز والمضي قدما نحو تحقيق الاهداف الكبرى دون تراجع او استسلام لسياسات الحصار والافقار والاذلال التي ترتد دائما الى نحور صانعيها وطابخيها في الغرف المغلقة وامام اصرار وعزيمة الشعوب تتهشم كل الرهانات الخاسرة والمشاريع الصغيرة الدخيلة على ثقافة وتاريخ وجغرافيا هذا الوطن الصامد الحريص على سيادته وكرامته الفوق كل اعتبار وطني و سياسي وثوري