مداد العاصمة



"عرش الظلام": كيف تحولت عدن من مدينة النور إلى مقبرة للكرامة الإنسانية

الأربعاء - 10 يونيو 2026 - 12:57 ص

"عرش الظلام": كيف تحولت عدن من مدينة النور إلى مقبرة للكرامة الإنسانية

صوت العاصمة/ كتب: أحمد سعيد العمودي



في عدن، المدينة التي أضاءت مصابيحها قبل لندن وقبل القاهرة، هناك عرش آخر يُبنى كل ليلة.. اسمه "عرش الظلام". عرش قوائمه: انقطاع الكهرباء، الحر القاتل، العطش، والجوع. وجالس عليه صمتٌ ثقيل يقتل الناس ببطء.

هذا المقال ليس مناشدة. هذا توثيق لجريمة إنسانية تحدث على الهواء مباشرة، ونداء أخير قبل أن ينهار كل شيء.

قاعة العرش.. الشارع
ادخل أي شارع في المعلا أو كريتر اوالشيخ عثمان الساعة 2 ليلاً في يونيو. ستجد "قاعة العرش" مفتوحة للجميع:
- طفل رضيع يبكي من الحر ولا يجد صدر أمه برداً.
- شيخ بعكاز يفترش كرتونة، يمسح عرق الموت من جبينه.
- أم تهز طفلها المريض على الرصيف، تدعي له بالنجاة حتى الصباح.

هذه "ثورة الفرش" يا سادة. عندما يصبح الرصيف غرفة نوم والسماء سقفاً، اعلموا أن الدولة كلها قد سقطت، ولم يبق إلا الشعب يواجه مصيره وحده.

كيف تُقتل مدينة؟
عرش الظلام هذا قائم على 4 أركان، كل ركن منها كفيل بإسقاط أي حكم:

الركن الأول: القتل بالحرارة - الكهرباء سلاح ذو حدين
10 إلى 14 ساعة انقطاع يومياً في عز الصيف. هذا ليس عجزاً فنياً، هذا حكم إعدام بطيء.
الحرارة 38° + رطوبة 80% + شقة مغلقة = غرفة غاز. كبار السن يموتون بالسكتة، مرضى الكلى تموت كليتهم مع توقف الغسيل، والأطفال الرضع يصابون بالجفاف الحاد.
في المستشفيات، المولد يشتغل 4 ساعات ويطفي 10.. يعني المريض على جهاز التنفس يلعب "يانصيب الموت" كل ساعة.

الركن الثاني: القتل بالعطش - مفارقة البحر
مدينة على البحر يموت أهلها عطشاً. مضخات المياه لا تعمل بدون كهرباء. فتُباع بوزة الماء 1000 لتر بـ 12 ألف ريال. راتب الموظف 60 ألف.. يعني ربع راتبه يروح "ماء شرب". أي عقل يقبل أن أغلى شيء في مدينة ساحلية هو قطرة الماء؟

الركن الثالث: القتل بالجوع - رواتب تتبخر
الراتب يتأخر 4 شهور، وإذا نزل يتبخر في أسبوع بسبب انهيار العملة. كيس الدقيق بـ 20 ألف، علبة الحليب بـ 8 آلاف. النتيجة: أسر كاملة تعيش على "خبز وشاي" إن وجد أصلاً. وطفل في الصف الثالث يقول لأمه "يا أمي بطني توجعني" فتجيبه "اصبر يا ولدي، الجوع كافر".

الركن الرابع: القتل باليأس - وعود بلا أفعال
أخطر ركن في العرش. البيانات والخطابات واللجان والوعود.. كلها تصدر، لكن الكهرباء لا تعود. المواطن لم يعد يسمع. المواطن يريد "لمبة تولع ومروحة تدور". كل وعد كاذب هو مسمار جديد في نعش الثقة بين الشعب ودولته.

المعلا كشفت العورة
يوم افترش شباب المعلا الشارع، حدثت معجزة في نفس الليلة: الكهرباء رجعت للحي، وإنارة الشارع "الخط الساخن" انطفأت.

هذه اللحظة هزت "عرش الظلام" كله وكشفت 3 حقائق مدوية:
1. الكذبة الأولى سقطت: "مافي وقود". الوقود موجود، لكنه يُحرق في إنارة شوارع فارغة فجراً.
2. الكذبة الثانية سقطت: "مافي ميغاوات". الميغاوات موجودة، لكنها تُوزع ظلماً. بيت المسن طافي، وشارع فاضي منور.
3. الحقيقة ظهرت: المشكلة ليست تقنية ولا مالية.. المشكلة "إرادة وعدالة". ومن لا يملك إرادة لإنقاذ شعبه من الحر، كيف سيملك إرادة لبناء وطن؟

إلى من يجلسون على كراسي القرار: رسالة من تحت العرش
يا من تقلدتم الأمانة.. اسمعوا من أخيكم:

1. الكرسي أمانة، مش تشريف
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه : "لو أن بغلة عثرت في العراق، لخشيت أن يسألني الله عنها: لِمَ لَمْ تُمَهّد لها الطريق يا عمر؟". فما بالكم بشعب كامل يفترش الشارع ويموت من الحر؟ الأمانة ثقيلة، والحساب عسير. "كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته".

2. الدولة تُقاس بالخبز واللمبة، مش بالقصور
أي حكومة في التاريخ سقطت عندما عجزت عن توفير "رغيف وماء ونوم آمن" لشعبها. الشعوب تصبر على الحرب، لكنها لا تصبر على الإذلال اليومي. الكهرباء والماء والراتب والدواء.. هذا هو العقد بينكم وبيننا. من نقض العقد، سقطت شرعيته في قلوب الناس قبل أي مكان آخر.

3. الصمت لم يعد خياراً، والتبرير لم يعد ينفع
سنين من البيانات. سنين من "قريباً" و"قيد الدراسة" و"الظروف". والنتيجة؟ جنائز كل يوم، وأطفال بلا مستقبل، ومدينة تموت. الناس تعبت من الاستماع.. تريد أن ترى. فعل واحد صادق يمسح 100 خطاب كاذب.

الإنذار الأخير: عدن لا تطلب صدقة، تطلب حقها
يا كل ضمير حي، يا كل من بقي في قلبه ذرة خوف من الله..

عدن لا تمد يدها للتسول. عدن تطالب بحقوقها المقدسة التي كفلها الدين والقانون والإنسانية:

1. كهرباء عادلة ومستدامة: جدول واضح، وقود كافٍ، وتوزيع عادل. بيوت الناس أولى من إنارة الإسفلت.
2. رواتب منتظمة: كرامة الموظف خط أحمر. الجوع يذل، والراتب المتأخر يقتل.
3. ماء ودواء وغذاء: سلة حياة أساسية مدعومة. لا يمكن بناء وطن على معدة خاوية.
4. شفافية ومحاسبة: أعلنوا للناس أين تذهب الميغاوات، وأين يذهب الوقود، ومن المسؤول عن كل ساعة ظلام.

العرش سيسقط إن لم يسقط الظلام
يا سادة، التاريخ لا يرحم. كل عرش بُني على أنين المظلومين، سقط في النهاية. وكل مسؤول ظن أن الكرسي دائم، وجده قبراً.

الشعب الصابر في عدن صبر على الحرب والحصار والدمار. لكن صبره على الظلم اليومي له حدود. واليوم دنيا وغداً آخرة. ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.

إما أن تعودوا إلى شعبكم وتحملوا الأمانة كما أمر الله، أو سيأتي يوم تجدون فيه الشوارع خالية منكم، ممتلئة بالناس.. لكن هذه المرة ليس للنوم، بل لسؤال واحد: "أين كنتم عندما كنا نموت؟"

الكهرباء حق. الحياة حق. الكرامة حق.
ومن يملك قرار قطع الكهرباء، يملك قرار إعادتها. والخيار لكم.. والتاريخ يكتب.

حسبنا الله ونعم الوكيل. والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون.

#عدن_تحترق #عرش_الظلام #ثورة_الفرش #الكهرباء_حق_إنساني #المسؤولية_أمانة #كفاية_معاناة



الأكثر زيارة


محلل سياسي لـ"سبوتنيك": اليمن يعيش أسوأ أزمة خدمات وعلى رأسه.

الثلاثاء/09/يونيو/2026 - 12:34 ص

تشكل أزمة الكهرباء الأزمة الأكبر في محافظات الجنوب اليمني، خاصة مع دخول فصل الصيف، وبشكل خاص في عدن والمكلا، حيث تتجاوز فترات الانقطاع 10 إلى 18 ساعة


عاجل:بيان صادر عن وزارة الكهرباء والطاقة عن معالجات عاجلة ات.

الثلاثاء/09/يونيو/2026 - 01:55 ص

تابعت وزارة الكهرباء والطاقة باهتمام بالغ الاحتجاجات السلمية التي شهدتها العاصمة عدن ومحافظة حضرموت على خلفية التحديات التي تواجه خدمة الكهرباء خلال م


عاجل | رئيس الوزراء يكشف خطة 1000 ميغاواط لإنقاذ كهرباء اليم.

الثلاثاء/09/يونيو/2026 - 12:55 م

أوضح رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني الدكتور شائع الزنداني أن الحكومة تضع قضية الكهرباء على رأس أولوياتها، وأنها تعمل جاهدة من أجل إيجاد حلول مستدام


عاجل: مقتـ.ـل شاب وإصابة آخر بجروح خطيرة في سيئون برصـ.ـاص ح.

الثلاثاء/09/يونيو/2026 - 02:57 ص

سجّلت مدينة سيئون، مساء اليوم، حالة وفاة لشاب في مقتبل العمر وإصابة آخر بجروح خطيرة، إثر حادثة إطلاق نار وقعت بالتزامن مع الاحتجاجات الشعبية الغاضبة ا