الغش في الثانوية العامة.. كارثة تهدم الفرد وتهدد مستقبل الوطن
الإثنين - 15 يونيو 2026 - 10:51 م
صوت العاصمة/ كتب/ أ. عبدالفتاح عثمان الحالمي
مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة الوزارية، تعود ظاهرة الغش لتفرض نفسها كأحد أخطر التحديات التي تواجه التعليم والمجتمع معاً. فالغش لم يعد مجرد "مخالفة" أو "معصية" فحسب، بل تحوّل إلى كارثة تمس بنيان المجتمع من جذوره.
*أولاً: ظلم مباشر يقتل تكافؤ الفرص*
يصف مختصون الغش بأنه "ظلم يحرق القلب". فالطالب المجتهد الذي سهر وتعب 12 عاماً دراسية، يجد نفسه فجأة في مواجهة زميل غشاش ينتزع مقعده في كليات الطب والهندسة بدرجات مزيفة. هذه المفارقة تخلق حالة إحباط تدمر دافعية المتفوقين، وتدفعهم للتساؤل: "لماذا أتعب إذا كان الغش يمنح 98% بينما جهدي يمنحني 85% فقط؟" والنتيجة أن يتحول المجتهد إما إلى محبط، أو إلى غشاش في العام التالي.
*ثانياً: شهادة بلا قيمة.. ومستقبل بلا أمان*
الأخطر أن الغش يفرز خريجاً فاشلاً. طالب يدخل كلية الطب وهو لا يتقن جدول الضرب، ومهندس يشيّد عمارات تنهار على رؤوس ساكنيها. وعندما تنهار سمعة الشهادة الوطنية، يدفع الثمن الجميع؛ فحتى الطالب المجتهد تُغلق في وجهه أبواب المنح والوظائف في الخارج، لمجرد أن "الشهادة صارت بالغش".
*ثالثاً: الغشاش ضحية قبل أن يكون جانٍ*
الغشاش نفسه هو أول ضحايا فعله. يعيش في خوف دائم من الانكشاف، وثقته بنفسه تصبح صفراً لأنه يعلم يقيناً أنه لا يستحق درجته. والأسوأ أنه يتعود على الحرام؛ فمن يغش في قاعة الامتحان، سيغش لاحقاً في وظيفته وماله ومعاملاته. وفي الجامعة يصطدم بالواقع، فيرسب في أول فصل دراسي بخمس مواد، لأنه ببساطة "فارغ من الداخل".
*رابعاً: مناصب لغير أهلها.. وضياع الكفاءات*
على مستوى الوطن، الغش يعني أن الطبيب والقاضي والمدرس قد يكونون غير أكفاء. وعندما تُوضع المناصب في غير أهلها، يصبح التخلف مصيراً محتوماً. كما يُحرم الطالب العبقري الفقير من مقعده، بينما يناله الغشاش الغني بالمال والوساطة، فتضيع الكفاءات الحقيقية.
*خامساً: إلغاء للفروق الفردية*
الثانوية العامة وُجدت لتميّز بين الذكي والمتوسط والضعيف، بين المجتهد والمهمل، بين من كافح رغم الظروف ومن استسلم للدلال. لكن الغش يلغي كل هذه الفروق، ويجعل الورقة لا تعكس المستوى الحقي. فيصبح غير المجتهد هو الأعلى درجة، ويتحطم المجتهد، ويخسر المجتمع الاثنين معاً.
*وفي الختام*
نتذكر قول النبي ﷺ: "من غشنا فليس منا"، لأن الغش يهدم أمة وليس مجرد درجة. الغشاش قد يكسب رقماً على ورقة، لكنه يخسر نفسه ومستقبله ودينه. أما المجتهد، فإن ظُلم اليوم، فتعبه محفوظ عند الله، وسيجد طريقه ولو بعد حين.
مدير مدرسة زيد بن حارثة لكمة لشعوب م/الحصين محافظة الضالع سابقا