مداد العاصمة



أحمد الشلفي وأوهام المقارنة.. تفكيك خطاب التخويف والتشويه

الأربعاء - 17 يونيو 2026 - 05:30 م

أحمد الشلفي وأوهام المقارنة.. تفكيك خطاب التخويف والتشويه

صوت العاصمة/ كتب/د. محمود شائف:

في منشور حديث، حاول الإعلامي أحمد الشلفي تقديم ما يجري في أرض الصومال باعتباره صورة لما كان يمكن أن يحدث في الجنوب لو وصلت المشاريع الانفصالية – بحسب وصفه – إلى نهاياتها. واستند إلى خبر متداول حول افتتاح ممثلية لأرض الصومال في القدس ليخلص إلى نتيجة مفادها" أن مشاريع الانفصال تقود في نهاية المطاف إلى البحث عن الاعتراف الخارجي بأي ثمن، وأن اليمن نجا من هذا المصير لأن تلك المشاريع لم تنجح في فرض نفسها على الواقع".

قد يبدو هذا الطرح للوهلة الأولى تحليلًا سياسيًا، لكنه في جوهره يعكس واحدة من أبرز مشكلات الخطاب الوحدوي التقليدي لدى قطاع واسع من النخب والمثقفين في الشمال؛ إذ يتهرب من مناقشة القضية الجنوبية بوصفها حقيقة سياسية قائمة تعكس تاريخًا طويلًا من النضال والتضحيات والإرادة الشعبية، ويلجأ بدلًا من ذلك إلى تخويف الرأي العام عبر مقارنات انتقائية ومضللة لا تصمد أمام حقائق التاريخ والواقع.

أولًا: القضية الجنوبية ليست أرض الصومال

يقوم منشور الشلفي كله على افتراض أن الجنوب وأرض الصومال حالتان متشابهتان، وأن ما يحدث هناك هو بالضرورة ما كان سيحدث هنا.
لكن هذا الافتراض يسقط أمام أول حقيقة تاريخية.
فالجنوب لم يكن إقليمًا يبحث عن هوية سياسية داخل دولة قائمة، بل كان دولة مستقلة كاملة العضوية في الأمم المتحدة والجامعة العربية قبل وحدة عام 1990. كما أن القضية الجنوبية لم تنشأ بسبب نزاع حدودي أو تمرد محلي، بل نتيجة مسار سياسي معقد ارتبط بمآلات الوحدة وما أعقبها من صراعات وحروب وتحولات عميقة.
لذلك فإن المقارنة بين الحالتين ليست تحليلًا سياسيًا بقدر ما هي محاولة لصناعة صورة ذهنية سلبية عن الجنوب من خلال ربطه بتجربة أخرى مختلفة تمامًا في ظروفها وخلفياتها التاريخية والسياسية.

ثانيًا: لماذا يتم تجاهل أصل المشكلة؟

يتحدث الشلفي عن مشاريع الانفصال، لكنه لا يتحدث عن الأسباب التي أوصلت قطاعًا واسعًا من الجنوبيين إلى تبني مشروع فك الارتباط واستعادة دولتهم.
لا يتحدث عن احتلال الجنوب في حرب 1994، ولا عن الإقصاء السياسي، ولا عن قضايا الأرض والثروة والشراكة والتمثيل، ولا عن الحراك الجنوبي الذي سبق ظهور المجلس الانتقالي بسنوات طويلة.
وكأن القضية الجنوبية ظهرت فجأة ومن الفراغ.
وهذه إحدى الإشكاليات المزمنة في الخطاب السياسي لبعض النخب الشمالية؛ إذ يُطلب من الناس مناقشة النتائج، بينما يجري تجاهل الأسباب التي أنتجتها.

ثالثًا: حضرموت والمهرة.. بين الواقع والرواية السياسية.

يحاول أحمد الشلفي تصوير التحركات الاخيره في حضرموت والمهرة باعتبارها جزءًا من مشروع يهدف إلى فرض واقع سياسي وعسكري جديد في شرق البلاد، وكأن مجرد حضور القضية الجنوبية في هاتين المحافظتين يمثل دليلًا على مشروع توسعي أو محاولة لفرض الأمر الواقع.
غير أن هذا الطرح يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن حضرموت والمهرة ليستا أراضي خارج السياق الجنوبي حتى يُنظر إلى أي حراك جنوبي فيهما باعتباره "تمددًا" أو "اجتياحًا عسكريا او سياسيا ". كما أنه يتجاهل وجود نقاشات وتباينات ومطالب محلية حقيقية نشأت بفعل ظروف سياسية واقتصادية وخدمية معقدة، ولا يمكن اختزالها في رواية واحدة أو تفسيرها باعتبارها مجرد انعكاس لرغبات طرف سياسي بعينه.

والسؤال الذي يتجنبه أصحاب هذا الخطاب هو: لماذا أصبحت قضايا حضرموت والمهرة جزءًا من النقاش السياسي الدائر حول مستقبل الجنوب أصلًا؟ وهل جاء ذلك نتيجة خطاب إعلامي عابر، أم نتيجة تراكمات طويلة من الإهمال والتهميش والشعور بغياب الشراكة الفعلية في إدارة شؤون الدولة؟

إن اختزال المشهد في فكرة "التمدد والانفصال" لا يساعد على فهم الواقع، بل يحجب تعقيداته، ويتعامل مع المحافظات وكأنها مجرد ساحات صراع ونفوذ، لا مجتمعات حية تمتلك رؤاها ومصالحها وتطلعاتها الخاصة.

رابعًا: مغالطة البحث عن الاعتراف الخارجي بأي ثمن/

أخطر ما في طرح الشلفي هو الإيحاء بأن أي مشروع سياسي جنوبي سيجد نفسه مضطرًا للبحث عن الشرعية الخارجية "بأي ثمن".
وهذه ليست قراءة سياسية، بل حكم مسبق.
فالاعتراف الدولي لا يُمنح مجانًا ولا يُشترى بالشعارات، بل يرتبط بحسابات معقدة تتعلق بالمصالح والاستقرار والتوازنات الإقليمية والدولية.
والأهم من ذلك أن البحث عن الاعتراف الخارجي ليس ظاهرة مرتبطة فقط بالحركات الساعية إلى الاستقلال، بل هو سلوك تمارسه الحكومات والدول والأطراف السياسية كافة حين تسعى إلى تثبيت مواقعها ومصالحها .
لكن الشلفي يتعمد تصوير الأمر وكأنه عيب خاص بالجنوبيين وحدهم.

خامسًا: لماذا القدس تحديدًا؟
الربط بين الجنوب والخبر المتداول عن أرض الصومال والقدس لم يكن تفصيلًا عابرًا.
فالكاتب يدرك أن القدس تحمل حساسية رمزية كبيرة لدى الرأي العام المحلي والعربي، ولذلك جرى استحضارها لإثارة انطباع نفسي سلبي تجاه القضية الجنوبية.
بمعنى آخر، بدلًا من مناقشة القضية الجنوبية بذاتها، جرى ربطها بقضية أخرى مثيرة للجدل بهدف إلتحريض وانتاج حالة من النفور العاطفي لدى المتلقي.
وهذا أسلوب دعائي معروف يقوم على استثارة المشاعر بدلًا من تقديم الحجج.

سادسًا: هل اليمن بخير فعلًا كما يقول الشلفي؟

يختم الشلفي منشوره بالقول ،"إن اليمن حمد الله لأنه لم يصل إلى هذه المرحلة.
لكن أي مرحلة يقصد؟
هل يقصد مرحلة الانقسام؟
اليمن منقسم، بل ومتشظٍ بالفعل.
هل يقصد مرحلة انهيار مؤسسات الدولة؟
الدولة منهارة منذ سنوات، وتوجد على الأرض سلطات ومراكز نفوذ متعددة.
هل يقصد مرحلة التدهور الاقتصادي والخدمي؟
المواطن يعيش هذه الأزمة يوميًا في تفاصيل حياته ومعيشته.
وهنا تكمن المفارقة.
فحين يتحدث الشلفي عن خطر افتراضي في المستقبل، فإنه يتجاهل أزمة حقيقية يعيشها الناس في الحاضر.

سابعا: ما الذي يخشاه هذا الخطاب؟

الحقيقة أن ما يقلق بعض النخب السياسية والإعلامية ليس ما قد يفعله الجنوبيون مستقبلًا، بل حقيقة أن القضية الجنوبية ما زالت حاضرة رغم عقود من الإنكار والتشويه.
فالقضية التي قيل إنها انتهت بعد حرب 1994 عادت أكثر حضورًا.
والقضية التي قيل إنها مجرد أصوات معزولة تحولت إلى ملف حاضر في كل نقاش يتعلق بمستقبل اليمن.
ولهذا تتكرر محاولات ربطها بالمخاوف والمؤامرات والسيناريوهات السوداوية.
ليس لأن هذه المقارنات دقيقة، بل لأن الاعتراف بحقيقة القضية الجنوبية يفرض على الجميع مواجهة أسئلة لم يعد من الممكن الهروب منها.
وفي مقدمة هذه الأسئلة: لماذا استمرت القضية الجنوبية كل هذه السنوات؟ ولماذا فشلت كل محاولات تجاهلها أو تشويهها أو اختزالها او القضاء عليها؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي يتجنب هذا الخطاب الإجابة عنه. أما حملات التخويف والتشويه، فلن تغير من حقيقة أن القضية الجنوبية أصبحت واقعًا سياسيًا لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه، وأن أي معالجة جادة لمستقبل اليمن لا بد أن تبدأ بالاعتراف بهذه الحقيقة، لا بالهروب منها.



الأكثر زيارة


رداً على اتهامات مندوب الحكومة في الأمم المتحدة ضد القائد عي.

الثلاثاء/16/يونيو/2026 - 10:25 م

كتب : أ محمد عبدالفتاح العمري ما أقدم عليه مندوب الحكومة عبد الله السعدي في مجلس الأمن من محاولة شيطنة القائد الرمز عيدروس الزبيدي وتوجيه تهمة "الخيان


عاجل : وفاة طبيب عظام إثر سقوطه من الطابق الثالث في مدينة إن.

الثلاثاء/16/يونيو/2026 - 03:46 م

قالت مصادر إن طبيبًا متخصصًا في جراحة العظام توفي ظهر يوم الثلاثاء إثر سقوطه من الطابق الثالث في إحدى العمارات السكنية بمدينة إنماء القديمة بمنطقة الم


جلسة مرتقبة لمجلس الأمن للاستماع إلى إحاطة المبعوث الخاص بشأ.

الثلاثاء/16/يونيو/2026 - 04:21 م

يقدم المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، اليوم الثلاثاء، إحاطة جديدة ومباشرة أمام مجلس الأمن الدولي، يسلط فيها الضوء على آخر التطورا


لحج وعدن في الصدارة .. موجة حر قياسية تضرب عدة محافظات والحر.

الثلاثاء/16/يونيو/2026 - 03:38 م

تشهد مناطق واسعة من اليمن، اليوم الثلاثاء الموافق 16 يونيو 2026م، موجة حر شديدة يُتوقع أن ترفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية في عدد من المحافظات، و