لماذا صار تمسك السعودية بالوحدة هدفًا لاحتواء الجنوب
الخميس - 25 يونيو 2026 - 12:53 ص
صوت العاصمة/ بقلم: د. أمين العلياني
في دهاليز التاريخ المظلمة، حيث تُنسَج الخيوط بخفاء، وتُصاغ العقود بالقوة الناعمة قبل الخشنة، ثمّة حكاية تخترق الدولة في الشمال من جهة، والدولة في الجنوب من جهة أخرى. وكل ما كان يحصل للدولتين لم يكن يومًا شأنًا داخليًا خالصًا، بل هو قصة مملكة النفط والطموح، المملكة العربية السعودية، التي أدركت مبكرًا أن بوابة نفوذها الكبرى في خاصرة الدولتين في شبه الجزيرة العربية لن تُفتح بمفاتيح صنعاء وحدها، بل بإحكام السيطرة على تلك المفاتيح أولًا. ومن هنا، صار تمسك الرياض بـ”الوحدة” اليمنية اليوم عقيدةً سياسيةً استراتيجية، ليس حبًا في توحيد الشعبين الشقيقين، بل يأسًا من إمكانية إخضاع الجنوب دون المرور الإجباري عبر بوابات الشمال التي طوعتها وأدخلتها في فلكها منذ ما يربو على ستة عقود.
لنعد بالذاكرة إلى ما قبل ثورة سبتمبر 1962م، حين كانت المملكة المتوكلية الهاشمية في الشمال تمثل عمقًا استراتيجيًا متنافرًا مع المد القومي الناصري. هناك، في أحشاء ذلك النظام الإمامي، زرعت الرياض أولى بذور اللجنة الخاصة، تلك الأداة التي لم تكن مجرد جهاز استخبارات، بل كانت مختبرًا لصناعة النخب، ومرسمًا لتخطيط مسارات القبائل، ومنبرًا لتوجيه رجال الدين ونخب وأحزاب الشمال السياسية. ومن هنا استطاعت الرياض، ببراعة الصانع الماهر، أن تحوِّل النظام الإمامي إلى حديقة خلفية، وأن تروض وحش القبيلة اليمنية الشمالية الهائج عبر سلسلة ذهبية من الامتيازات والمنح، جاعلةً من مشيخة القبيلة تابعًا لا شريكًا، ومن رجل الدين مبررًا لا رقيبًا، ومن النخب والأحزاب السياسية أدواتٍ يسهل مقاربتها واحتواؤها.
ولما عصفت رياح سبتمبر بالعرش الإمامي، لم تتراجع آلة الاحتواء السعودية، بل أعادت هندسة أدواتها، وذلك من خلال تفطّن الرياض إلى حقيقة جوهرية، وهي أن الأنظمة تتهاوى، والأيديولوجيات تتبخر، لكن النخب والأحزاب السياسية، وشيوخ القبائل، ورموز الدين تبقى، وهي التربة الخصبة الوحيدة التي يمكن زراعة النفوذ فيها. وهكذا، تحولت الدبلوماسية السعودية من حامية للنظام الملكي إلى مهندسة للتوافق الجمهوري، مضفيةً شرعيتها على النظام الجديد عبر ترتيبات وإشراف سعودي، كان ثمنها الخفي جعل صنعاء عاصمةً ذات سيادة منقوصة، ترزح تحت مظلة الوصاية، مهما تعالت صرخات الاستقلال وادعاءات السيادة.
وهنا يكمن المفتاح السردي الأعمق: لماذا لم تنهض الدولة الجمهورية في الشمال؟ الجواب لا يكمن في فشل النخب اليمنية وحدها، بل في نجاح الاستراتيجية السعودية المزدوجة، المتمثلة في اختراق النسيج الاجتماعي والسياسي للشمال بشكل عضوي جعله رهينة دائمة، حتى أُدمنت الأحزاب السياسية والشخصيات القبلية والدينية على “الرافعة السعودية”، فلم يعد بإمكان أيٍ منها أن يبلغ السلطة أو يحافظ عليها دون مباركة الرياض. في هذا السياق، لم تكن “اللجنة الخاصة” مجرد جهاز، بل كانت حبلًا سريًا يربط قلب صنعاء النابض برئة الرياض التي تتنفس من خلالها. ومن هنا تحول الشمال، في جوهره السياسي، إلى كيان مرتهن، نخبه لا يستمدون قوتهم من صناديق الاقتراع بصورة شكلية، بقدر ما يستمدونها من شيكات النفط والوساطة السياسية. وتصبح أي محاولة لبناء دولة مؤسسات حقيقية في الشمال كانت تصطدم بهذا الجدار السعودي الصلب، الذي يرعى الفوضى المنظمة والتوازنات الهشة كي لا تقوم دولة مركزية قوية قد تستغني عنه.
على الضفة الأخرى، كان الجنوب يحكي قصة مغايرة. فهناك، حيث قامت جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية، نشأت دولة على أنقاض الاستعمار البريطاني، دولة مارست، قسرًا واضطرارًا، نوعًا من الاستقلالية الجذرية، وتصلبت هويتها ضد الاختراقات، وتحولت عدن إلى قلعة أيديولوجية يصعب على النفوذ السعودي التقليدي اقتحامها بأدواته الدبلوماسية المعتادة؛ لأن القبيلة في الجنوب لم تكن بنفس النفوذ التاريخي المهيمن على السياسة، ولم تكن شبكات رجال الدين بالمرونة ذاتها. لقد شكل الجنوب، ببنيته المختلفة، استعصاءً بنيويًا على آلة الاحتواء السعودي، حتى صار الجنوب شوكة في حلق استراتيجية الهيمنة، ليس لأنه أكثر قوة، بل لأنه ببساطة خارج نطاق التغطية اللاسلكية لجهاز التحكم عن بعد الذي أتقنت الرياض صناعته للشمال. ومع ذلك، لم يسلم الجنوب من تدخلاتها التخريبية، لكنها ظلت تدخلات خارجية لا تخترق النسيج الداخلي بعمق، فبقيت كالرصاصات التي تخترق الجسد دون أن تمتلك الروح.
ومن رحم هذه الثنائية المتناقضة، وُلدت العقيدة السعودية في التمسك بالوحدة اليمنية؛ فالسعودية، التي خبرت الشمال وأدمنت السيطرة عليه، وتصدت لصلافة الجنوب واستعصائه، أدركت أن النافذة الوحيدة لإخضاع هذا العنيد الجنوبي هي نافذة صنعاء. ومن هنا، فالوحدة في نظر السياسة السعودية لم تكن مشروعًا قوميًا نبيلًا، بل كانت أداة احتواء استراتيجي، لتصبح الوحدة هي الجسر الذي تعبر من خلاله فيروسات التبعية السياسية، وبكتيريا النفوذ القبلي المستنسخ شمالًا، كي تصيب جسد أي مشروع سياسي يتشكل لبناء الدولة في الجنوب التي كانت محصنة نسبيًا.
في المشهد الراهن، حين تتعالى أصوات الشعب الجنوبي بفك الارتباط واستعادة دولته المستقلة، لا تصرخ الرياض دفاعًا عن “اليمن الواحد” من منطلق الحرص على استقراره، بل من منطلق الهلع على أدواتها؛ لأن تفكك الوحدة يعني إغلاق نافذة صنعاء التي طالما تنفست منها في وجه الجنوب. وبهذا، تدرك الرياض أن إعادة عقارب الساعة إلى ما قبل 1990 سيجعلها تواجه كيانًا جنوبيًا مستقلًا، محصنًا بتجربته التاريخية ضد الاختراق السعودي، وممسكًا بمفاتيحه البحرية والاستراتيجية في باب المندب وخليج عدن. وبهذا يتجسد الكابوس الاستراتيجي الذي يجعل من “الوحدة” عقيدة سعودية لا يمنية، لا تقبل المساومة، ليس حبًا في الشمال والجنوب، بل إحكامًا لقبضة الوصاية على الشمال، واستباقًا ليوم مظلم لا يكون فيه للجنوب سيد غير أبنائه.
وهكذا، تتكشف اللعبة الكبرى؛ فتمسك الرياض بالوحدة ليس سوى وجه آخر للسياسة ذاتها التي مارستها منذ ستين عامًا: سياسة الاحتواء عبر الأدوات المحلية. ولأنها لم تستطع أن تزرع عملاءها في تربة عدن كما زرعتهم في تربة حاشد وبكيل، فإنها صارت تنظر إلى خريطة اليمن الموحد كالخريطة الوحيدة التي يمكن فيها تطويق الجنوب بسلاسل من ذهب النفط وحديد النفوذ القبلي المصنوع في الشمال. ومن هنا تتكشف المعركة العميقة، ليست بين مشروعين للشمال والجنوب فحسب، بل بين إرادة هيمنة إقليمية، وهوية جنوبية تخشاها؛ هوية لا يمكن اختراقها إلا إذا ظل الجنوب أسيرًا في قفص الوحدة الذهبي، الذي تحمل مفاتيحه نخب شمالية أتقنت الرياض ترويضها، ومتى ما ضمنت الرياض الجنوب على نسخة الشمال، يمكن أن تمنحه فرصة التحول السياسي في استعادة دولته تحت الوصاية السعودية.