محطات متوقفة بلا وقود.. كيف تكشف صفقة المولدات السعودية عمق أزمة الكهرباء في حضرموت وعدن؟
السبت - 04 يوليو 2026 - 12:39 ص
صوت العاصمة/ تقرير/هشام صويلح
ما الفائدة من استقدام مولدات كهرباء، إذا كان الوقود اللازم لتشغيلها غير متوفر أصلاً؟ هذا السؤال الذي طرحه يعقوب السفياني، مدير المكتب الإقليمي لمركز "سوث24"، ليس نظريًا ولا افتراضيًا، بل يختزل الإشكالية الكاملة لصفقة المولدات التي وصلت حديثًا إلى حضرموت، ضمن مشروع قُدّم عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن. الرواية الرسمية تصوّر المشروع كدعم سخي لتخفيف معاناة الجنوبيين. لكن معلومات حصل عليها "سوث24" من مصادر خاصة، إلى جانب تصريحات متطابقة لمحللين وناشطين، تكشف صورة مختلفة تماماً: عقد استثماري تجاري في بلد يعاني أصلاً من انهيار مزمن في إمدادات الوقود.
ليست منحة.. بل عقد استثماري بنظام BOT
المعلومة الأولى التي تنسف التوصيف الشائع للمشروع هي طبيعته القانونية. تؤكد مصادر "سوث24" أن المولدات التي وصلت إلى حضرموت "ليست منحة، بل محطة إسعافية تعمل بعقد استثماري مع وزارة الكهرباء لمدة ست سنوات، وفق نظام البناء والتشغيل ثم نقل الملكية BOT". وتضيف المصادر أن إجمالي القدرة يبلغ 300 ميغاوات، وُزّعت بواقع 100 ميغاوات لعدن، و100 ميغاوات لساحل حضرموت، و100 ميغاوات لوادي حضرموت. ما يُقدّم كدعم مباشر من المملكة العربية السعودية هو، في الواقع، مشروع تجاري ستتحمل الحكومة اليمنية تكاليف تشغيله في ثلاث مناطق، على أن تنتقل ملكيته إلى الدولة بعد انتهاء مدة العقد.
السفياني يكشف بعداً آخر للصفقة: "المولدات التي وصلت من السعودية إلى حضرموت مستخدمة"، ويفتح الباب أمام أسئلة لا تحتمل التأجيل: "كم العمر الافتراضي لمثل هذه المولدات؟ وماذا إذا كانت قد استهلكت جزءاً كبيراً من عمرها التشغيلي قبل وصولها إلينا؟ وهل ستتحول بعد ست سنوات إلى مجرد خردة تكلف ميزانية الدولة أعباء صيانة تفوق قيمتها، بدلاً من أن تكون حلولاً مستدامة؟"
هذه الأسئلة تمس صميم الجدوى الاقتصادية للمشروع. فإذا كانت المولدات قد استنفدت جزءاً كبيراً من عمرها الافتراضي، فإن الحكومة اليمنية ستتحمل تكاليف تشغيل وصيانة معدات قد تكون قيمتها المتبقية ضئيلة عند نقل ملكيتها. هذا وحده كافٍ لتحويل "الدعم" المعلن إلى عبء مالي محتمل على دولة منهكة أصلاً.
قنبلة العقد موقوتة
ما يزيد من أهمية هذه التساؤلات أنها لا تأتي في فراغ. فبحسب مصادر "سوث24"، "ليست هذه الحالة الأولى التي تُقدَّم فيها مشاريع كهرباء ذات طبيعة تعاقدية أو استثمارية بوصفها دعماً سياسياً مباشراً". السابقة هنا هي محطتا الطاقة الشمسية الإماراتيتان في عدن وشبوة، بقدرة 120 و53 ميغاوات، حيث حاولت أطراف حكومية التعامل معهما كمنشآت يمكن وضع اليد عليها باعتبارها منحاً غير مشروطة، رغم تأكيد الشركة المشغلة وجود حقوق والتزامات تعاقدية.
وتضيف المصادر أن الخلاف "بلغ حد تلويح الشركة بخيارات قانونية دولية ضد الحكومة اليمنية ووزارة الكهرباء، قبل دخول أطراف دولية على خط احتواء الأزمة". المشروع الجديد في حضرموت يحمل معه بذور أزمة مشابهة. أي التباس في فهم طبيعة العقد قد يتحول إلى نزاع مستقبلي.
وخلال حوار الرياض حول قطاع الكهرباء في اليمن، الذي عُقد في 11 مايو بتنظيم من البرنامج السعودي ومجموعة البنك الدولي، حذّرت أطراف دولية من "التعامل مع المشاريع المنفذة بعقود استثمارية كأصول يمكن وضع اليد عليها بقرار إداري". التحذير، وفق المصادر، يرتبط بتقويض ثقة المستثمرين وعرقلة فرص التمويل والضمانات الدولية لمشاريع الكهرباء مستقبلاً. يبدو موجهاً إلى الحكومة اليمنية، لكنه يسلط الضوء أيضاً على إشكالية أوسع في طريقة تقديم هذه المشاريع للرأي العام.
مولدات سعودية.. وأزمة الوقود مستمرة
حتى لو تم تجاوز الإشكاليات القانونية والتعاقدية، يظل السؤال الجوهري قائماً: هل ستحل هذه المولدات أزمة الكهرباء فعلاً؟ المعطيات الميدانية وتصريحات المراقبين تقول: على الأرجح لا.
يعقوب السفياني يضع النقاط على الحروف: "الحقيقة هي أن أزمة الكهرباء في عدن وحضرموت وبقية المحافظات هي أزمة وقود بالدرجة الأولى، وليست أزمة توليد. فلو اشتغلت جميع المحطات الحالية بكامل طاقتها لتحسن الوضع كثيراً، ولكن النقص الحاد في إمدادات الديزل والمازوت والنفط الخام هو السبب الرئيسي للمشكلة". ثم يضيف السؤال القاصم: "ما الفائدة من استقدام محطة إسعافية جديدة، طالما أن الوقود اللازم لتشغيلها غير متوفر أصلاً؟"
في الشارع العدني، يتردد السؤال نفسه بصيغة أكثر مباشرة. الناشط السياسي عبد القادر القاضي يلتقط الحيرة الشعبية: "قدموا لنا مولدات كهرباء تشتغل بالمازوت تولد 100 ميغا، مع أنه عندنا محطة الرئيس تشتغل بالمازوت وتولد 300 ميغا وطافية بسبب عدم وجود المازوت. حد فاهم حاجة؟"
المفارقة صارخة. محطة الرئيس القائمة في عدن، بقدرة 300 ميغاوات، متوقفة عن العمل بسبب غياب الوقود. فما الذي يضمن أن المحطة الجديدة، بقدرة أقل وبمولدات مستعملة، لن تواجه المصير نفسه؟ استقدام قدرة توليد إضافية لا يعالج مشكلة نقص الوقود. قد يضيف، بدلاً من ذلك، عبئاً جديداً على منظومة متعثرة أصلاً.
الصحفي ماجد الداعري يضيف بعداً آخر للأزمة: "السعودية ترسل لحضرموت عدة مولدات كهربائية منتهية العمر بدلاً من مشروع الربط الكهربائي معها كما سبق وأن وعدت الحضارم! فلماذا التراجع؟" ثمة فجوة بين التوقعات الشعبية والواقع. كان المواطنون ينتظرون مشروع ربط كهربائي مباشر يوفر طاقة مستقرة، فإذا بهم يحصلون على مولدات مستعملة ضمن عقد استثماري.
الوقود كسلاح في الصراع السياسي
لفهم لماذا تبدو صفقة المولدات حلاً وهمياً، لا بد من العودة إلى جذور الأزمة نفسها. ثمة خريطة معقدة من الفشل السياسي والإداري، تتجاوز بكثير مسألة توفر المولدات أو عدمه.
في قلب هذه الخريطة يبرز اسم عمرو بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت. الرجل وجه مسلحيه بوقف خروج النفط الخام إلى عدن في مرحلة سابقة، ما هدد محطة الرئيس مباشرة. حتى أنه منع قاطرات النفط من دخول مدن ساحل حضرموت. إجراء ميداني استخدم ورقة ضغط سياسي مباشر، وخلق سابقة خطيرة في استخدام إمدادات الطاقة كسلاح.
سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت، بدوره لوّح بإيقاف تزويد النفط الخام إلى عدن وربطه بتوريد نسبة لحضرموت أو دفع 20 دولار للبرميل، وهو ما أعاد فتح الأزمة بعد عام 2026. نمط من المساومة السياسية على حساب استقرار الخدمة العامة.
أما مجلس القيادة الرئاسي والحكومة اليمنية، فتتحملان بدورهما مسؤولية الفشل في فرض حل مستقر. المجلس لم ينجح في حماية مسار الإمداد أو إنهاء الابتزاز المتكرر. الحكومة لم تؤمّن بدائل دائمة من الوقود ولم تعالج الخلل المالي والإداري في منظومة الكهرباء. رئاسة الحكومة وأجهزتها التنفيذية تتحمل أيضاً مسؤولية تأخر التمويل والقرار السياسي والإداري المطلوب لاستمرار المحطات.
هذا السياق يفسر لماذا لا يمكن لأي مشروع توليد جديد، مهما كانت قدرته أو مصدره، أن يكون حلاً جذرياً. المشكلة ليست تقنية تتعلق بعدد المولدات أو قدرتها. هي سياسية وإدارية ومالية في جوهرها. أي حل تقني يُطرح بمعزل عن هذه الجذور محكوم عليه بأن يكون ترقيعياً ومؤقتاً.
التداعيات والأسئلة المفتوحة
صفقة مولدات السعودية لحضرموت وعدن تكشف نمطاً متكرراً في مقاربة أزمة الكهرباء في المناطق المحررة: مشاريع تصل بوصفها دعماً أو منحاً، لكنها تحمل في طياتها التزامات تعاقدية طويلة الأمد، وتكاليف تشغيلية باهظة، وأسئلة معلقة حول جدواها الفعلية. كل هذا في بيئة تغرق في أزمة وقود خانقة، وتفتقر إلى الحد الأدنى من الاستقرار السياسي والإداري.
التحذيرات الدولية من تقويض ثقة المستثمرين، والسوابق المتمثلة في أزمة المحطات الإماراتية، والأسئلة التي لم يجب عنها أي مسؤول حول العمر الافتراضي للمولدات، كلها مؤشرات على أن هذا المشروع قد يتحول من "حل إسعافي" إلى عبء إضافي على الدولة، وإلى أزمة قانونية ومالية مستقبلية.
في الأثناء، يبقى السؤال الأهم معلقاً: كيف يمكن لمولدات إضافية أن تنهي الظلام، والوقود الذي يشغلها هو ذاته محور الصراع السياسي والابتزاز الميداني والإخفاق الإداري؟ إنه خلاصة أزمة ثقة متعددة الأطراف، ستظل قائمة ما دامت الحلول المطروحة تعالج الأعراض دون الأسباب.غ