استعادة السيادة بين ضرورات الثورة واستحقاقات الدولة
السبت - 11 يوليو 2026 - 12:42 ص
صوت العاصمة/ كتب : محمد محسن الهدالي
في اللحظات الفاصلة من تاريخ الشعوب، حين تتقاطع إرادة التحرر مع ضرورات البناء، يصبح الرهان على أداة واحدة ضربًا من ضيق الأفق السياسي، وتغدو الحاجة إلى تكامل الأدوار شرطًا من شروط الانتصار.
فالثورة والدولة ليستا خصمين يتنازعان المشهد، ولا مشروعين يتزاحمان على الشرعية، بل هما جناحا القضية الوطنية؛ إذا انكسر أحدهما اختلّ توازن المسير، وإذا تكاملا اقترب الوطن من استعادة عافيته وسيادته.
فالثورة، في معناها الأعمق، ليست صرخة غضب عابرة، ولا فعل احتجاج ينتهي بانتهاء لحظته، بل هي التعبير الأعلى عن إرادة شعب يرفض أن يتحول حقه إلى قضية منسية أو أن يصبح وجوده رهينة لموازين القوة ومساومات السياسة.
إنها الرافعة التي تنتزع الاعتراف، والضغط الذي يفرض القضية على موائد القرار، والنبض الذي يحفظ للحق حضوره وللهوية الوطنية معناها واستمرارها.
أما الدولة، فهي الوجه الآخر للمعركة ذاتها؛ معركة البناء بعد الصمود، والمؤسسة بعد الحراك، والنظام بعد الفوضى. إنها الإطار الذي تتحول داخله التضحيات إلى مؤسسات، والانتصارات إلى سياسات، والآمال إلى واقع قابل للحياة والاستمرار.
فالدول لا تُدار بالشعارات، ولا تُبنى بزخم اللحظة، وإنما تُشيَّد بالعقل والمؤسسة والقانون، وتُصان بالقدرة على الإدارة وحسن توظيف المنجز الوطني في خدمة المصلحة العامة.
قد تختلف الوظائف وتتباين الأدوات، لكن الوجهة تظل واحدة والغاية لا تتبدل؛ فالثورة تفتح الأبواب المغلقة، والدولة تعبر منها نحو المستقبل.
الأولى تنتزع الاعتراف السياسي وتكسر جدران العزلة والتهميش، والثانية تحول ذلك الاعتراف إلى سيادة فاعلة وقرار مستقل ومؤسسات قادرة على البقاء.
وعندما تستعاد أدوات القرار وتعود السلطة إلى أصحابها الشرعيين، تصبح الدولة قادرة على أن تبسط مظلتها فوق الجميع، وأن تحتضن أبناءها على اختلاف توجهاتهم وانتماءاتهم، وأن تجعل من المشاركة في صناعة القرار حقًا مكفولًا لا امتيازًا ممنوحًا، ومن المواطنة رابطة جامعة تعلو فوق كل الاعتبارات الضيقة.
أما الإصرار على إبقاء الجميع في سلة واحدة، وخلط وظائف الثورة بمهام الدولة، ومتطلبات النضال باستحقاقات الحكم، فليس سوى وصفة لإرباك المشروع الوطني وإهدار فرصه التاريخية.
فلكل مرحلة رجالها، ولكل مهمة أدواتها، ولكل معركة منطقها الذي يحكمها. والخلط بين الأدوار لا ينتج شراكة، بل يفضي غالبًا إلى ازدواجية في القرار، وضبابية في المسؤولية، واستنزاف في الجهد الوطني.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن في الاختيار بين الثورة والدولة، وإنما في القدرة على الانتقال الحكيم من منطق الثورة إلى منطق الدولة، دون أن تخون الثانية أهداف الأولى، ودون أن تتحول الأولى إلى عبء على الثانية.
فاستعادة الدولة كاملة السيادة ليست شعارًا يُتلى في الخطب أو يُرفع في المناسبات، بل مشروع أمة يحتاج إلى ثورة تحرس الحلم، ودولة تصونه، وإرادة سياسية تدرك أن الأمم لا تنتصر بتنازع أدوارها، بل بتكاملها، وأن الطريق إلى المستقبل لا يُعبد بالصراع بين الوسائل، وإنما بوحدة الغاية وحسن إدارة المسار